منتدى الأسهم السعودية  

العودة   منتدى الأسهم السعودية > ©؛°¨°؛©][ صالات عامة ][©؛°¨°؛© > الصالة المفتوحة

عرض الأسهم    المؤشرات والرسوم البيانية    برنامج الأسهم    دليل السهم السعودي

Google

{ موسوعة الاعجاز العلمي في القرآن والسنة }

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #21 (permalink)  
قديم 27-04-2007, 09:59 PM
الصورة الرمزية ماستر1
مراقب عام ( ابو سلطان )
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
الدولة: (وجــمــيــع مــافــي الــكــون شــاهــد ان الإلــه الــحــق واحــد )
المشاركات: 10,440
رابعاً: عزل قائد الأسطول العثماني وشجاعة محمد الفاتح:

بعد هذه المعركة بيومين وقعت معركة اخرى بين البحرية العثمانية وبعض السفن الأوروبية التي حاولت الوصول الى الخليج، حيث بذلت السفن الإسلامية جهوداً كبيرة لمنعها ، وأشرف الفاتح بنفسه على المعركة من على الساحل وكان قد أرسل إلى قائد الأسطول وقال له: إما أن تستولي على هذه السفن وإما أن تغرقها، وإذا لم توفق في ذلك فلا ترجع إلينا حياً[40] لكن السفن الأوروبية نجحت في الوصول إلى هدفها ولم تتمكن السفن العثمانية من منعها، رغم الجهود العظيمة المبذولة لذلك وبالتالي غضب السلطان محمد الفاتح غضباً شديداً فعزل قائد الاسطول[41] بعد ما رجع إلى مقر قيادته واستدعاه وعنف محمد الفاتح قائد الاسطول بالطه أوغلي وعنفه واتهمه بالجبن، وتأثر بالطة أوغلي لهذا وقال : إني استقبل الموت بجنان ثابت، ولكن يؤلمني أن أموت وأنا متهم بمثل هذه التهمة. لقد قاتلت انا ورجالي بكل ماكان في وسعنا من حيلة وقوة، ورفع طرف عمامته عن عينه المصابة[42].

أدرك محمد الفاتح عند ذلك أن الرجل قد أعذر، فتركه ينصرف واكتفى بعزله من منصبه، وجعل مكانه حمزة باشا[43].

لقد ذكرت كتب التاريخ أن السلطان محمد الفاتح كان يراقب هذه المعارك البحرية وهو على جواده وقد اندفع نحو البحر حتى غاص حصانه الى صدره وكانت السفن المتقاتلة على مرمى حجر منه فأخذ يصيح لبطله أوغلي بأعلى صوته: ياقبطان! ياقبطان! ويلوح له بيده، وضاعف العثمانيون جهودهم في الهجوم دون أن يأثروا في السفن تأثيراً ليناً[44].

كانت الهزائم البحرية للأسطول العثماني دور كبير في محاولة بعض مستشاري السلطان وعلى رأسهم الوزير خليل باشا إقتناعه بالعدول عن الاستيلاء على القسطنطينية والرضا بمصالحة أهلها دون السيطرة عليها وبالتالي رفع الحصار عنها، ولكن السلطان أصر على محاولة الفتح واستمر في قصف دفاعات المدينة بالمدافع من كل جانب ، وفي الوقت نفسه كان يفكر بجدية في إدخال السفن الإسلامية إلى القرن الذهبي ، خصوصاً وأن الأسوار من ناحية القرن الذهبي متهاوية، وبالتالي سيضطر البيزنطيون إلى سحب بعض قواتهم المدافعة عن الاسوار الغربية من المدينة وبهذا التفريق للقوات المدافعة ستتهيأ فرصة أكبر في الهجوم على تلك الأسوار بعد أن ينقص عدد المدافعين عنها[45].

خامساً: عبقرية حربية فذة:

لاحت للسلطان فكرة بارعة وهي نقل السفن من مرساها في بشكطاش إلى القرن الذهبي، وذلك بجرها على الطريق البري الواقع بين الميناءين مبتعداً عن حي غلطة خوفاً على سفنه من الجنوبيين، وقد كانت المسافة بين الميناء نحو ثلاثة أميال، ولم تكن أرضاً مبسوطة سهلة ولكنها كانت وهاداً وتلالاً غير ممهدة.

جمع محمد الفاتح أركان حربه وعرض عليهم فكرته، وحدد لهم مكان معركته القادمة، فتلقى منهم كل تشجيع، وأعربوا عن إعجابهم بها.

بدأ تنفيذ الخطة، وأمر السلطان محمد الثاني فمهدت الأرض وسويت في ساعات قليلة وأتى بألواح من الخشب دهنت بالزيت والشحم، ثم وضعت على الطريق الممهد بطريقة يسهل بها انزلاج السفن وجرها، وكان أصعب جزء من المشروع هو نقل السفن على انحدار التلال المرتفعة، الا أنه بصفة عامة كانت السفن العثمانية صغيرة الحجم خفيفة الوزن[46].

وجرت السفن من البسفور إلى البر حيث سحبت على تلك الأخشاب المدهونة بالزيت مسافة ثلاثة أميال ، حتى وصلت إلى نقطة آمنة فأنزلت في القرن الذهبي، وتمكن العثمانيون في تلك الليلة من سحب أكثر من سبعين سفينة وإنزالها في القرن الذهبي على حين غفلة من العدو، بطريقة لم يسبق إليها السلطان الفاتح قبل ذلك ، وقد كان يشرف بنفسه على العملية التي جرت في الليل بعيداً عن أنظار العدو ومراقبته[47].

كان هذا العمل عظيماً بالنسبة للعصر الذي حدث فيه بل معجزة من المعجزات ، تجلى فيه سرعة التفكير وسرعة التنفيذ، مما يدل على عقلية العثمانيين الممتازة، ومهارتهم الفائقة وهمتهم العظيمة. لقد دهش الروم دهشة كبرى عندما علموا بها، فما كان أحد ليستطيع تصديق ماتم. لكن الواقع المشاهد جعلهم يذعنون لهذه الخطة الباهرة.

ولقد كان منظر هذه السفن بأشرعتها المرفوعة تسير وسط الحقول كما لو كانت تمخر عباب البحر من أعجب المناظر وأكثرها إثارة ودهشة. ويرجع الفضل في ذلك الى الله سبحانه وتعالى ثم إلى همة السلطان وذكاءه المفرط، وعقليته الجبارة ، والى مقدرة المهندسين العثمانيين، وتوفر الايدي العاملة التي قامت بتنفيذ ذلك المشروع الضخم بحماس ونشاط.

وقد تم كل ذلك في ليلة واحدة واستيقظ أهل المدينة البائسة صباح يوم 22 أبريل على تكبيرات العثمانيين المدوية، وهتافاتهم المتصاعدة، وأناشيدهم الإيمانية العالية[48]، في القرن الذهبي، وفوجئوا بالسفن العثمانية وهي تسيطر على ذلك المعبر المائي، ولم يعد هناك حاجز مائي بين المدافعين عن القسطنطينية وبين الجنود العثمانيين[49]، ولقد عبر أحد المؤرخين البيزنطيين عن عجبهم من هذا العمل فقال: ما رأينا ولا سمعنا من قبل بمثل هذا الشيء الخارق، محمد الفاتح يحول الأرض إلى بحار وتعبر سفنه فوق قمم الجبال بدلاً من الأمواج، لقد فاق محمد الثاني بهذا العمل الأسكندر الأكبر[50].

ظهر اليأس في أهل القسطنطينية وكثرت الإشاعات والتنبؤات بينهم، وانتشرت شائعة تقول: ستسقط القسطنطينية عندما ترى سفن تمخر اليابسة"[51] وكان لوجود السفن الاسلامية في القرن الذهبي دور كبير في إضعاف الروح المعنوية لدى المدافعين عن المدينة الذين اضطروا لسحب قوات كبيرة من المدافعين عن الأسوار الأخرى لكي يتولوا الدفاع عن الأسوار الواقعة على القرن الذهبي إذ أنها كانت أضعف الأسوار ، ولكنها في السابق تحميها المياه، مما أوقع الخلل في الدفاع عن الأسوار الأخرى[52].

وقد حاول الإمبراطور البيزنطي تنظيم أكثر من عملية لتدمير الأسطول العثماني في القرن الذهبي إلا أن محاولته المستميته كان العثمانيون لها بالمرصاد حيث أفشلوا كل الخطط والمحاولات.

واستمر العثمانيون في دك نقاط دفاع المدينة وأسوارها بالمدافع، وحاولوا تسلَّق أسوارها، وفي الوقت نفسه انشغل المدافعون عن المدينة في بناء وترميم مايتهدم من أسوار مدينتهم ورد المحاولات المكثفة لتسلق الأسوار مع استمرار الحصار عليهم مما زاد في مشقتهم وتعبهم وإرهاقهم وشغل ليلهم مع نهارهم وأصابهم اليأس[53].

كما وضع العثمانيون مدافع خاصة على الهضاب المجاورة للبسفور والقرن الذهبي، مهمتها تدمير السفن البيزنطية والمتعاونة معها في القرن الذهبي والبسفور والمياه المجاورة مما عرقل حركة سفن الأعداء وأصابها بالشلل تماماً[54].

سادساً: اجتماع بين الملك قسطنطين ومعاونيه:

عقد الملك قسطنطين ومعاونيه ومستشاريه ورجال النصرانية في المدينة اجتماعاً، فأشاروا عليه بالخروج بنفسه من المدينة والتوجه لطلب النجدات من الأمم المسيحية، والدول الأوروبية ، ولعل تأتي الجيوش النصرانية ، فيضطر محمد الفاتح لرفع الحصار عن مدينتهم، ولكنه رفض هذا الرأي وأصر على أن يقاوم الى آخر لحظة ولا يترك شعبه في المدينة حتى يكون مصيره ومصيرهم واحداً، وأنه يعتبر هذا واجبه المقدس وأمرهم أن لا ينصحوه بالخروج أبداً وأكتفى بإرسال وفود تمثله الى مختلف أنحاء أوروبا لطلب المساعدة[55] ورجعت تلك الوفود تجر خلفها أذيال الخيبة وكانت الأجهزة الأستخباراتية للدولة العثمانية قد اخترقت القسطنطينية وما حولها بحيث أصبحت القيادة العثمانية على علم تام بما يدور حولها.

سابعاً: الحرب النفسية العثمانية:

ضاعف السلطان محمد الثاني الهجوم على الاسوار وجعله مركزاً وعنيفاً، ضمن خطة أعدها بنفسه أيضاً لإضعاف العدو، وكررت القوات العثمانية عملية الهجوم على الأسوار ومحاولة تسلقها مرات عديدة بصورة بطولية بلغت غاية عظيمة من الشجاعة والتضحية والتفاني ، وكان أكثر ما يرعب جنود الامبراطور قسطنطين صيحاتهم وهي تشق عنان السماء وتقول: الله أكبر الله أكبر فتنزل عليهم كالصواعق المدمرة[56].

وشرع السلطان محمد الفاتح في نصب المدافع القوية على الهضاب الواقعة خلف غلطة، وبدأت هذه المدافع في دفع قذائفها الكثيفة نحو الميناء وأصابت احدى القذائف سفينة تجارية فأغرقتها في الحال، فخافت السفن الأخرى واضطرت للفرار، واتخذت من أسوار غلطة ملجأ لها، وظل الهجوم العثماني البري في موجات خاطفة وسريعة هجمة تلوى الاخرى وكان السلطان محمد الفاتح يوالي الهجمات وإطلاق القذائف في البر والبحر دون انقطاع ليلاً ونهاراً من أجل إنهاك قوى المحاصرين، وعدم تمكينهم من أن ينالوا أي قسط من راحة وهدوء بال، وهكذا أصبحت عزائمهم ضعيفة ونفوسهم مرهقة كليلة، وأعصابهم متوترة مجهودة تثور لأي سبب، واصبح كل واحد من الجنود ينظر الى صاحبه ويلاحظ على وجهه علامات الذل والهزيمة والفشل، وشرعوا يتحدثون علناً عن طرق النجاة والإفلات بأرواحهم وما يتوقعونه من العثمانيين اذا ما اقتحموا عليهم مدينتهم.

واضطر الامبراطور قسطنطين الى عقد مؤتمر ثاني، اقترح فيه احد القادة مباغتة العثمانيين بهجوم شديد عنيف لفتح ثغرة توصلهم بالعالم الخارجي وبينما هم في مجلسهم يتدارسون هذا الاقتراح، قطع عليهم أحد الجنود اجتماعهم وأعلمهم بأن العثمانيين شنوا هجوماً شديداً مكثفاً على وادي ليكونس، فترك قسطنطين الاجتماع ووثب على فرسه، واستدعى الجند الاحتياطي ودفع بهم الى مكان القتال، واستمر القتال الى آخر الليل حتى انسحب العثمانيون[57].

وكان السلطان محمد -رحمه الله- يفاجئ عدوه من حين لآخر بفن جديد من فنون القتال والحصار، وحرب الأعصاب وبأساليب جديدة وطرق حديثة مبتكرة غير معروفة للعدو[58].

ففي المراحل المتقدمة من الحصار لجأ العثمانيون الى طريقة عجيبة في محاولة دخول المدينة حيث عملوا على حفر أنفاق تحت الأرض من مناطق مختلفة الى داخل المدينة وسمع سكانها ضربات شديدة تحت الأرض أخذت تقترب من داخل المدينة بالتدريح، فأسرع الامبراطور بنفسه ومعه قواده ومستشاروه الى ناحية الصوت وأدركوا أن العثمانيين يقومون بحفر أنفاق تحت الأرض، للوصول الى داخل المدينة، فقرر المدافعون الإعداد لمواجهتها بحفر أنفاق مماثلة مقابل أنفاق المهاجمين لمواجهتهم دون أن يعلموا، حتى إذا وصل العثمانيون الى الأنفاق التي أعدت لهم ظنوا أنهم وصلوا إلى سراديب خاصة وسرية تؤدي الى داخل المدينة ففرحوا بهذا، ولكن الفرحة لم تطل إذ فاجأهم الروم، فصبوا عليهم ألسنة النيران والنفط المحترق والمواد الملتهبة ، فأختنق كثير منهم واحترق قسم آخر وعاد الناجون منهم أدراجهم من حيث أتوا[59].

لكن هذا الفشل لم يفت في عضد العثمانيين ، فعاودوا حفر إنفاق أخرى ، وفي مواضع مختلفة، من المنطقة الممتدة بين أكرى فبو وشاطئ القرن الذهبي وكانت مكاناً ملائماً للقيام بمثل هذا العمل، وظلوا على ذلك حتى أواخر أيام الحصار وقد أصاب أهل القسطنطينية من جراء ذلك خوف عظيم وفزع لايوصف حتى صاروا يتوهمون أن أصوات أقدامهم وهم يمشون ان هي أصوات خفية لحفر يقوم به العثمانيون، وكثيراً ما كان يخيل لهم إن الأرض ستنشق ويخرج منها الجند العثمانيون ويملئون المدينة ، فكانوا يتلفتون يمنة ويسرة، ويشيرون هنا وهناك في فزع ويقولون : هذا تركي ، ...،هذا تركي ويجرون هرباً من أشباح يحسبونها انها تطارهم ، وكثيراً ماكان يحدث أن تتناقل العامة الإشاعة فتصبح كأنها حقيقة واقعة رأها احدهم بعيني رأسه وهكذا داخل سكان القسطنطينية فزع شديد أذهب وعيهم، حتى لكأنهم سكارى وماهم بسكارى ، فريق يجري، وفريق يتأمل السماء، ومجموعة تتفحص الأرض، والبعض ينظر في وجوه البعض الآخر في عصبية زائدة وفشل ذريع.

ولم يكن عمل العثمايين هذا سهلاً ، فان هذه الإنفاق التي حفروها قد أودت بحياة كثير منهم، فماتوا اختناقاً واحتراقاً في باطن الأرض، كما وقع الكثير منهم في بعض هذه المحاولات في أسر الروم، فقطعت رؤوسهم وقذف بها إلى معسكر العثمانيين[60].

مفاجأة عسكرية عثمانية:

لجأ العثمانيون إلى أسلوب جديد في محاولة الاقتحام وذلك بأن صنعوا قلعة خشبية ضخمة شامخة متحركة تتكون من ثلاثة أدوار، وبارتفاع أعلى من الأسوار، وقد كسيت بالدروع والجلود المبللة بالماء لتمنع عنها النيران، وأعدت تلك القلعة بالرجال في كل دور من أدوارها ، وكان الذين في الدور العلوي من الرماة يقذفون بالنبال كل من يطل برأسه من فوق الأسوار، وقد وقع الرعب في قلوب المدافعين عن المدينة حينما زحف العثمانيون بهذه القلعة واقتربوا بها من الأسوار عند باب رومانوس، فاتجه الإمبراطور بنفسه ومعه قواده ليتابع صد تلك القلعة ودفعها عن الأسوار، وقد تمكن العثمانيون من لصقها بالأسوار ودار بين من فيها وبين النصارى عند الأسوار قتل شديد واستطاع بعض المسلمين ممن في القلعة تسلق الأسوار ونجحوا في ذلك، وقد ظن قسطنطين أن الهزيمة حلت به، إلا أن المدافعين كثفوا من قذف القلعة بالنيران حتى أثرت فيها وتمكنت منها النيران فاحترقت، ووقعت على الأبراج البيزنطية المجاورة لها فقتلت من فيها من المدافعين، وامتلاء الخندق المجاور لها بالحجارة والتراب[61].

ولم ييأس العثمانيون من المحاولة بل قال الفاتح وكان يشرف بنفسه على ماوقع: غداً نصنع أربعاً أخرى[62].

زاد الحصار وقوي واشتد حتى أرهق من بداخل المدينة من البيزنطيين، فعقد زعماء المدينة اجتماعاً 24 مايو داخل قصر الإمبراطور وبحضوره شخصياً، وقد لاح في الأفق بوادر يأس المجتمعين من إنقاذ المدينة حيث اقترح بعضهم على الإمبراطور الخروج بنفسه قبل سقوط المدينة لكي يحاول جمع المساعدات والنجدات لإنقاذها أو استعادتها بعد السقوط، ولكن الإمبراطور رفض ذلك مرة أخرى وأصر على البقاء داخل المدينة والاستمرار في قيادة شعبه وخرج لتفقد الأسوار والتحصينات.

وأخذت الاشاعات تهيمن على المدينة وتضعف من مقاومة المدافعين عنها، وكان من أقواها عليهم ماحدث في يوم 16 جمادىالأولى الموافق 25 مايو، حيث حمل أهل المدينة تمثالاً للسيدة مريم العذراء بزعمهم، وأخذوا يتجولون به في ضواحي المدينة، يدعونه ويتضرعون الى العذراء أن تنصرهم على أعدائهم، وفجأة سقط التمثال من أيديهم وتحطم، فرأوا في ذلك شؤم ونذير بالخطر، وتأثر سكان المدينة وخصوصاً المدافعين عنها، وحدث في اليوم التالي 26 مايو هطول أمطار غزيرة مصحوبة ببعض الصواعق، ونزلت إحدى الصواعق على كنيسة آيا صوفيا، فتشأم البطريق ، وذهب الى الإمبراطور وأخبره أن الله تخلى عنهم وأن المدينة ستسقط في يد المجاهدين العثمانيين، فتأثر الإمبراطور حتى أغمى عليه[63].

وكانت المدفعية العثمانيةلا تنفك عن عملها في دك الأسوار والتحصينات، وتهدمت أجزاء كثيرة من السور والأبراج وامتلئت الخنادق بالأنقاض، التي يئس المدافعون من إزالتها وأصبحت إمكانية اقتحام المدينة واردة في أي لحظة، إلا أن اختيار موقع الاقتحام لم يحدد بعد[64].

ثامناً: المفاوضات الأخيرة بين محمد الفاتح وقسطنطين:

أيقن محمد الفاتح أن المدينة على وشك السقوط، ومع ذلك حاول أن يكون دخولها بسلام؛ فكتب إلى الإمبراطور رسالة دعاه فيه الى تسليم المدينة دون إراقة دماء، وعرض عليه تأمين خروجه وعائلته وأعوانه وكل من يرغب من سكان المدينة الى حيث يشاؤون بأمان[65]، وأن تحقن دماء الناس في المدينة ولا يتعرضوا لأي أذى ويكونوا بالخيار في البقاء في المدينة أو الرحيل عنها، ولما وصلت الرسالة إلى الإمبراطور جمع المستشارين وعرض عليهم الأمر ، فمال بعضهم الى التسليم وأصر آخرون على استمرار الدفاع عن المدينة حتى الموت، فمال الامبراطور الى رأي القائلين بالقتال حتى آخر لحظة، فرد الامبراطور رسول الفاتح برسالة قال فيها: إنه يشكر الله إذ جنح السلطان إلى السلم وأنه يرضى أن يدفع له الجزية أما القسطنطينية فإنه أقسم أن يدافع عنها إلى آخر نفس في حياته فإما أن يحفظ عرشه او يدفن تحت أسوارها[66]، فلما وصلت الرسالة إلى الفاتح قال: حسناً عن قريب سيكون لي في القسطنطينية عرش او يكون لي فيها قبر[67].

وعمد السلطان بعد اليأس من تسليم المدينة صلحاً الى تكثيف الهجوم وخصوصاً القصف المدفعي على المدينة، حتى أن المدفع السلطاني الضخم انفجر من كثرة الاستخدام، وقتل المشتغلين له وعلى رأسهم المهندس المجري أوربان الذي تولى الإشراف على تصميم المدفع، ومع ذلك فقد وجه السلطان بإجراء عمليات التبريد للمدافع بزيت الزيتون، وقد نجح الفنيون في ذلك ، وواصلت المدافع قصفها للمدينة مرة أخرى، بل تمكنت من توجيه القذائف بحيث تسقط وسط المدينة بالإضافة الى ضربها للأسوار والقلاع[68].

تاسعاً: السلطان محمد الفاتح يعقد اجتماع لمجلس الشورى:

عقد السلطان محمد الفاتح اجتماعاً ضم مستشاريه وكبار قواده بالإضافة إلى الشيوخ والعلماء، وقد طلب الفاتح من المجتمعين الإدلاء بآرائهم بكل صراحة دون تردد، فأشار بعضهم بالانسحاب ومنهم الوزير خليل باشا الذي دعا الى الانسحاب وعدم إراقة الدماء والتحذير من غضب أوروبا النصرانية فيما لو استولى المسلمون على المدينة، إلى غير ذلك من المبررات التي طرحها، وكان متهماً بمواطئة البيزنطيين ومحاولة التخذيل عنهم[69]، وقد قام بعض الحضور بتشجيع السلطان على مواصلة الهجوم على المدينة حتى الفتح واستهان بأوروبا وقواتها، كما أشار الى تحمس الجند لإتمام الفتح، وما في التراجع من تحطيم لمعنوياتهم الجهادية، وكان من هؤلاء أحد القواد الشجعان ويدعى زوغنوش باشا وهو من أصل ألباني كان نصرانياً فأسلم حيث هون من شأن القوات الأوروبية على السلطان[70].

وذكرت كتب التاريخ موقف زوغنوش باشا فقالت: ما أن سأله السلطان الفاتح عن رأيه حتى استوفز في قعدته وصاح في لغة تركية تشوبها لكنة ارناؤوطية: حاشا وكلا أيها السلطان، أنا لا أقبل أبداً ماقاله خليل باشا، فما أتينا هنا إلا لنموت لا لنرجع. وأحدث هذا الاستهلال وقعاً عميقاً في نفوس الحاضرين، وخيم السكون على المجلس لحظة ثم واصل زوغنوش باشا كلامه فقال: إن خليل باشا أراد بما قاله أن يخمد فيكم نار الحمية ويقتل الشجاعة ولكنه لن يبوء إلا بالخيبة والخسران. ان جيش الاسكندر الكبير الذي قام من اليونان وزحف الى الهند وقهر نصف آسيا الكبيرة الواسعة لم يكن اكبر من جيشنا فإن كان ذلك الجيش استطاع ان يستولي على تلك الأراضي العظيمة الواسعة أفلا يستطيع جيشنا أن يتخطى هذه الكومة من الأحجار المتراكمة، وقد أعلن خليل باشا أن دول الغرب ستزحف إلينا وتنتقم ولكن مالدول الغربية هذه؟ وهل هي الدول اللاتينية التي شغلها مابينها من خصام وتنافس، هل هي دول البحر المتوسط التي لاتقدر على شيء غير القرصنة واللصوصية؟ ولو أن تلك الدول أرادت نصرة بيزنطة لفعلت وأرسلت إليها الجند والسفن، ولنفرض أن أهل الغرب بعد فتحنا القسطنطينية هبوا الى الحرب وقاتلونا فهل سنقف منهم مكتوفي الأيدي بغير حراك، أو ليس لنا جيش يدافع عن كرامتنا وشرفنا؟

يا صاحب السلطنة ، أما وقد سالتني رأيي فلأعلنها كلمة صريحة، يجب أن تكون قلوبنا كالصخر ، ويجب ان نواصل الحرب دون أن يظهر علينا اقل ضعف أو خور، لقد بدأنا أمراً فواجب علينا أن نتمه، ويجب أن نزيد هجماتنا قوة وشدة ونفتح ثغرات جديدة وننقض على العدو بشجاعة. لا أعرف شيئاً غير هذا، ولا استطيع ان أقول شيئاً غير هذا .... [71].

وبدأت على وجه الفاتح أمارات البشر والانشراح لسماع هذا القول، والتفت الى القائد طرخان يسأله رأيه فأجاب على الفور : ان زوغنوش باشا قد اصاب فيما قال وانا على رأيه ياسلطاني. ثم سأل الشيخ آق شمس الدين والمولى الكوراني عن رأيهما. وكان الفاتح يثق بهما كل الثقة فأجابا أنهما على رأي زوغنوش باشا وقالا: يجب الاستمرار في الحرب، وبالغاية الصمدانية سيكون لنا النصر والظفر[72].

وسرت الحمية والحماس في جميع الحاضرين وابتهج السلطان الفاتح واستبشر بدعاء الشيخين بالنصر والظفر ولم يملك نفسه من القول : من كان من اجدادي في مثل قوتي[73]؟

لقد أيد العلماء الرأي القائل بمواصلة الجهاد كما فرح السلطان حيث كان يعبر عن رأيه ورغبته في مواصلة الهجوم حتى الفتح، وانتهى الاجتماع بتعليمات من السلطان أن الهجوم العام والتعليمات باقتحام المدينة باتت وشيكة وسيأمر بها فور ظهور الفرصة المناسبة وأن على الجنود الاستعداد لذلك[74].

عاشراً : محمد الفاتح يوجه تعليماته ويتابع جنوده بنفسه:

في يوم الاحد 18 جمادى الأولى 27 من مايو وجه السلطان محمد الفاتح الجنود إلى الخشوع وتطهير النفوس والتقرب إلى الله تعالى بالصلاة وعموم الطاعات والتذلل والدعاء بين يديه ، لعل الله أن يسر لهم الفتح ، وانتشر هذا الأمر بين عامة المسلمين ، كما قام الفاتح بنفسه ذلك اليوم بتفقد أسوار المدينة ومعرفة آخر أحوالها ، وما وصلت إليه وأوضاع المدافعين عنها في النقاط المختلفة ، وحدد مواقع معينة يتم فيها تركيز القصف العثماني ، تفقد فيها أحوالهم وحثهم على الجد والتضحية في قتال الأعداء ، كما بعث إلى أل غلطة التي وقفت على الحياد مؤكدا عليهم عدم التدخل فيما سيحدث ضامنا لهم الوفاء بعهده معهم ، وانه سيعوضهم عن كل ما يخسرونه من جراء ما يحدث. وفي مساء اليوم نفسه أوقد العثمانيون نارا كثيفة حول معسكرهم وتعالت صيحاتهم وأصواتهم بالتهليل والتكبير[75] ، حتى خيل للروم أن النار قد اندلعت في معسكر العثمانيين ، فإذا بهم يكتشفون أن العثمانيين يحتفلون بالنصر مقدما، مما أوقع الرعب في قلوب الروم ، وفي اليوم التالي 28 مايو كانت الاستعدادات العثمانية على أشدها والمدافع ترمي البيزنط بنيرانها ، والسلطان يدور بنفسه على المواقع العسكرية المختلفة متفقدا وموجها ومذكرا بالإخلاص والدعاء والتضحية والجهاد[76].

وكان الفاتح كلما مر بجمع من جنده خطبهم وأثار فيهم الحمية والحماس ، وأبان لهم أنهم بفتح القسطنطينية سينالون الشرف العظيم والمجد الخالد ، والثواب الجزيل من الله تعالى وستسد دسائس هذه المدينة التي طالما مالأت عليهم الأعداء والمتآمرين وسيكون لأول جندي ينصب راية الإسلام[77] على سور القسطنطينية الجزاء الأوفى والإقطاعات الواسعة.

وكان علماء المسلمين وشيوخهم يتجولون بين الجنود ويقرأون على المجاهدين آيات الجهاد والقتال وسورة الأنفال ، ويذكرونهم بفضل الشهادة في سبيل الله وبالشهداء السابقين حول القسطنطينية وعلى رأسهم أبو أيوب الأنصاري ويقولون للمجاهدين : لقد نزل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عند هجرته إلى المدينة في دار أبي أيوب الأنصاري ، وقد قصد أبو أيوب إلى هذه البقعة ونزل هنا ، وكان هذا القول يلهب الجند ويبعث في نفوسهم أشد الحماس والحمية[78].

وبعد أن عاد الفاتح إلى خيمته ودعا إليه كبار رجال جيشه أصدر إليهم التعليمات الأخيرة ، ثم ألقى عليهم الخطبة التالية: "إذا تم لنا فتح القسطنطينية تحقق فينا حديث من أحاديث رسول الله ومعجزة من معجزاته وسيكون من حظنا ما أشاد به هذا الحديث من التمجيد والتقدير فأبلغوا أبناءنا العساكر فردا فردا ، أن الظفر العظيم الذي سنحرزه سيزيد الإسلام قدرا وشرفا ، ويجب على كل جندي أن يجعل تعاليم شريعتنا الغراء نصب عينيه فلا يصدر عن أحد منهم ما يجافي هذه التعاليم ، وليتجنبوا الكنائس والمعابد ولا يمسوها بأذى ، ويدعوا القسس والضعفاء والعجزة الذين لا يقاتلون . . .[79].

وفي هذا الوقت كان الإمبراطور البيزنطي يجمع الناس في المدينة لإقامة ابتهال عام دعا فيه الرجال والنساء والصبيان للدعاء والتضرع والبكاء في الكنائس على طريقة النصارى لعله أن يستجاب لهم فتنجوا المدينة من هذا الحصار ، وقد خطب فيهم الإمبراطور خطبة بليغة كانت آخر خطبة خطبها ، حديث أكد عليهم بالدفاع عن المدينة حتى لو مات هو ، والاستماتة في حماية النصرانية أمام المسلمين العثمانيين ، وكانت خطبة رائعة كما يقول المؤرخون أبكت الجميع من الحاضرين ، كما صلى الإمبراطور ومن معه من النصارى الصلاة الأخيرة في كنيسة آياصوفيا أقدس الكنائس عندهم[80] ثم قصد الإمبراطور قصره يزوره الزيارة الأخيرة فودع جميع من فيه واستصفحهم وكان مشهدا مؤثرا وقد كتب مؤرخو النصارى عن هذا المشهد ، فقال من حضره، لو أن شخصا قلبه من خشب أو صخر لفاضت عيناه بالدموع لهذا المنظر[81].

التوقيع

آخر تعديل بواسطة ماستر1 ، 27-04-2007 الساعة 10:05 PM.
رد مع اقتباس
  #22 (permalink)  
قديم 27-04-2007, 10:00 PM
الصورة الرمزية ماستر1
مراقب عام ( ابو سلطان )
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
الدولة: (وجــمــيــع مــافــي الــكــون شــاهــد ان الإلــه الــحــق واحــد )
المشاركات: 10,440
وتوجه قسطنطين نحو صورة يزعمون أنها صورة المسيح معلقة في أحد الغرف فركع تحتها وهمهم بعض الدعوات ثم نهض ولبس المغفر على رأسه وخرج من القصر عند نحو منتصف الليل مع زميله ورفيقه وأمينه المؤرخ فرانتزتس ثم قاما برحلة تفقدية لقوات النصارى المدافعة ولاحظوا حركة الجيش العثماني النشطه المتوثبة للهجوم البري والبحري . وقبيل ذلك الليل بقليل رذت السماء رذا خفيفا كأنما كانت ترش الأرض رشا فخرج السلطان الفاتح من خيمته ورفع بصره إلى السماء وقال: لقد أولانا الله رحمته وعنايته فأنزل هذا المطر المبارك في أوانه فإنه سيذهب بالغبار ويسهل لنا الحركة[82].

الحادي عشر: "فتح من الله ونصر قريب"

عند الساعة الواحدة صباحا من يوم الثلاثاء 20 جمادى الأولى سنة 857هـ الموافق 29 مايو 1435م بدأ الهجوم العام على المدينة بعد أن أصدرت الأوامر للمجاهدين الذين علت أصواتهم بالتكبير وانطلقوا نحو الأسوار ، وخاف البيزنطيون خوفا عظيما ، وشرعوا في دق نواقيس الكنائس والتجأ إليها كثير من النصارى وكان الهجوم النهائي متزامنا بريا وبحريا في وقت واحد حسب خطة دقيقة أعدت بإحكام ، وكان المجاهدون يرغبون في الشهادة ولذلك تقدموا بكل شجاعة وتضحية وإقدام نحو الأعداء ونال الكثير من المجاهدين الشهادة ، وكان الهجوم موزعا على كثير من المناطق ، ولكنه مركز بالدرجة الأولى في منطقة وادي ليكوس ، بقيادة السلطان محمد الفاتح نفسه ، وكانت الكتائب الأولى من العثمانيين تمطر الأسوار والنصارى بوابل من القذائف والسهام محاولين شل حركة المدافعين ، ومع استبسال البيزنطيين وشجاعة العثمانيين كان الضحايا من الطرفين يسقطون بأعداد كبيرة[83]، وبعد أن انهكت الفرقة الاولى الهجومية كان السلطان قد أعد فرقة أخرى فسحب الأولى ووجه الفرقة الثانية ، وكان المدافعون قد أصابهم الإعياء ، وتمكنت الفرقة الجديدة ، من الوصول إلى الأسوار وأقاموا عليها مئات السلالم في محاولة جادة للإقتحام ، ولكن النصارى استطاعوا قلب السلالم واستمرت تلك المحاولات المستمية من المهاجمين ، والبيزنطيون يبذلون قصارى جهودهم للتصدي لمحاولات التسلق ، وبعد ساعتين من تلك المحاولات أصدر الفاتح أوامره للجنود لأخذ قسط من الراحة ، بعد أن أرهقوا المدافعين في تلك المنطقة ، وفي الوقت نفسه أصدر أمرا إلى قسم ثالث من المهاجمين بالهجوم على الأسوار من نفس المنطقة وفوجئ المدافعون بتلك الموجة الجديدة بعد أن ظنوا ان الأمر قد هدأ وكانوا ، قد أرهقوا ، في الوقت الذي كان المهاجمون دماء جديدة معدة ومستريحة وفي رغبة شديدة لأخذ نصيبهم من القتال[84] كما كان القتال يجري على قدم وساق في المنطقة البحرية مما شتت قوات المدافعين وأشغلهم في أكثر من جبهة في وقت واحد، ومع بزوغ نور الصباح أصبح المهاجمون يستطيعون أن يحددوا مواقع العدو بدقة أكثر ، وشرعوا في مضاعفة جهودهم في الهجوم وكان المسلمون في حماسة شديدة وحريصين على إنجاح الهجوم ، ومع ذلك أصدر السلطان محمد الأوامر إلى جنوده بالإنسحاب لكي يتيحوا الفرصة للمدافع لتقوم بعملها مرة أخرى حيث أمطرت الأسوار والمدافعين عنها بوابل من القذائف ، واتعبتهم بعد سهرهم طوال الليل ، وبعد أن هدأت المدفعية جاء قسم جديد من شجعان الإنكشارية يقودهم السلطان نفسه تغطيهم نبال وسهام المهاجمين التي لا تنفك عن محاولة منع المدافعين عنها وأظهر جنود الإنكشارية شجاعة فائقة وبسالة نادرة في الهجوم واستطاع ثلاثون منهم تسلق السور أمام دهشة الأعداء ، ورغم استشهاد مجموعة منهم بمن فيهم قائدهم فقد تمكنوا من تمهيد الطريق لدخول المدينة عند طوب قابي ورفعوا الأعلام العثمانية[85].

مما زاد في حماس بقية الجيش للاقحام كما فتّوا في عضد الأعداء ، وفي نفس الوقت أصيب قائد المدافعين جستنيان بجراح بليغة دفعته إلى الانسحاب من ساحة المعركة[86] مما أثر في بقية المدافعين ، وقد تولى الإمبراطور قسطنطين قيادة المدافعين بنفسه محل جستنيان الذي ركب أحد السفن فارا من أرض المعركة ، وقد بذل الامبراطور جهودا كبيرة في تثبيت المدافعين الذين دب اليأس في قلوبهم من جدوى المقاومة، في الوقت الذي كان فيه الهجوم بقيادة السلطان شخصياً على أشده، محاولاً استغلال ضعف الروح المعنوية لدى المدافعين.

وقد واصل العثمانيون هجومهم في ناحية اخرى من المدينة حتى تمكنوا من اقتحام الأسوار والاستيلاء على بعض الأبراج والقضاء على المدافعين في باب أدرنة ورفعت الاعلام العثمانية عليها، وتدفق الجنود العثمانيون نحو المدينة من تلك المنطقة، ولما رأى قسطنطين الأعلام العثمانية ترفرف على الأبراج الشمالية للمدينة، أيقن بعدم جدوى الدفاع وخلع ملابسه حتى لايعرف ، ونزل عن حصانه وقاتل حتى قتل في ساحة المعركة[87].

وكان لانتشار خبر موته دور كبير في زيادة حماس المجاهدين العثمانيين وسقوط عزائم النصارى المدافعين وتمكنت الجيوش العثمانية من دخول المدينة من مناطق مختلفة وفر المدافعون بعد انتهاء قيادتهم، وهكذا تمكن المسلمون من الاستيلاء على المدينة وكان الفاتح رحمه الله مع جنده في تلك اللحظات يشاركهم فرحة النصر، ولذة الفوز بالغلبة على الأعداء من فوق صهوة جواده وكان قواده يهنئونه وهو يقول : الحمد لله ليرحم الله الشهداء ويمنح المجاهدين الشرف والمجد ولشعبي الفخر والشكر[88].

كانت هناك بعض الجيوب الدفاعية داخل المدينة التي تسببت في استشهاد عدد من المجاهدين ، وقد هرب أغلب أهل المدينة الى الكنائس ولم يأت ظهيرة ذلك اليوم الثلاثاء 20 جمادي الأولى 857هـ الموافق 29 من مايو 1453م، إلا والسلطان الفاتح في وسط المدينة يحف به جنده وقواده وهم يرددون : ما شاء الله ، فالتفت إليهم وقال : لقد أصبحتم فاتحي القسطنطينية الذي أخبر عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهنأهم بالنصر ونهاهم عن القتل، وأمرهم بالرفق بالناس والإحسان إليهم ، ثم ترجل عن فرسه وسجد لله على الأرض شكراً وحمداً وتواضعاً لله تعالى[89].


صورة لكنسية آيا صوفيا التي تحولت إلى مسجد محمد الفاتح في إستامبول

الثاني عشر: معاملة محمد الفاتح للنصارى المغلوبين:

توجه محمد الفاتح الى كنيسة آيا صوفيا وقد اجتمع فيها خلق كبير من الناس ومعهم القسس والرهبان الذين كانوا يتلون عليهم صلواتهم وأدعيتهم، وعندما اقترب من أبوابها خاف النصارى داخلها خوفاً عظيماً، وقام أحد الرهبان بفتح الأبواب له فطلب من الراهب تهدئة الناس وطمأنتهم والعودة الى بيوتهم بأمان، فأطمأن الناس وكان بعض الرهبان مختبئين في سراديب الكنيسة فلما رأوا تسامح الفاتح وعفوه خرجوا وأعلنوا إسلامهم، وقد أمر الفاتح بعد ذلك بتحويل الكنيسة الى مسجد وأن يعد لهذا الأمر حتى تقام بها أول جمعة قادمة، وقد أخذ العمال يعدون لهذا الأمر ، فأزالوا الصلبان والتماثيل وطمسوا الصور بطبقة من الجير وعملوا منبراً للخطيب، وقد يجوز تحويل الكنيسة الى المسجد لأن البلد فتحت عنوة والعنوة لها حكمها في الشريعة الاسلامية.

وقد اعطى السلطان للنصارى حرية إقامة الشعائر الدينية واختيار رؤسائهم الدينين الذين لهم حق الحكم في القضايا المدنية، كما أعطى هذا الحق لرجال الكنيسة في الأقاليم الأخرى ولكنه في الوقت نفسه فرض الجزية على الجميع[90].

لقد حاول المؤرخ الأنجليزي ادوارد شيبردكريسي في كتابة "تاريخ العثمانيين الاتراك أن يشوه صوره الفتح العثماني للقسطنطينية ووصف السلطان محمد الفاتح بصفات قبيحة حقداً منه وبغضاً للفتح الإسلامي المجيد[91] وسارت الموسوعة الأمريكية المطبوعة في عام 1980م في حمأة الحقد الصليبي ضد الإسلام ، فزعمت أن السلطان محمد قام باسترقاق غالبية نصارى القسطنطينية، وساقهم الى اسواق الرقيق في مدينة ادرنة حيث تم بيعهم هناك[92].

إن الحقيقة التاريخية الناصعة تقول أن السلطان محمد الفاتح عامل أهل القسطنطينية معاملة رحيمة وأمر جنوده بحسن معاملة الأسرى والرفق بهم، وافتدى عدداً كبيراً من الأسرى من ماله الخاص وخاصة أمراء اليونان، ورجال الدين ، واجتمع مع الاساقفة وهدأ من روعهم ، وطمأنهم الى المحافظة على عقائدهم وشرائعهم وبيوت عبادتهم، وأمرهم بتنصيب بطريرك جديد فانتخبوا أجناديوس برطيركا، وتوجه هذا بعد انتخابه في موكب حافل من الاساقفة الى مقر السلطان، فاستقبله السلطان محمد الفاتح بحفاوة بالغة وأكرمه أيما تكريم، وتناول معه الطعام وتحدث معه في موضوعات شتى، دينية وسياسية واجتماعية وخرج البطريرك من لقاء السلطان، وقد تغيرت فكرته تماماً على السلاطين العثمانيين وعن الأتراك، بل والمسلمين عامة، وشعر انه أمام سلطان مثقف صاحب رسالة وعقيدة دينية راسخة وانسانية رفيعة، ورجولة مكتملة ، ولم يكن الروم أنفسهم أقل تأثراً ودهشة من بطريقهم، فقد كانوا يتصورون أن القتل العام لابد لاحقهم، فلم تمض أيام قليلة حتى كان الناس يستأنفون حياتهم المدنية العادية في اطمئنان وسلام[93].

كان العثمانيون حريصون على الالتزام بقواعد الاسلام، ولذلك كان العدل بين الناس من أهم الأمور التي حرصوا عليها، وكانت معاملتهم للنصارى خالية من أي شكل من أشكال التعصب والظلم ، ولم يخطر ببال العثمانيين أن يضطهدوا النصارى بسبب دينهم[94].

إن ملل النصارى تحت الحكم العثماني تحصلت على كافة حقوقها الدينية ، وأصبح لكل ملة رئيس ديني لا يخاطب غير حكومة السلطان ذاتها مباشرة، ولكل ملة من هذه الملل مدارسها الخاصة وأماكن للعبادة والأديرة، كما أنه كان لا يتدخل أحد في ماليتها وكانت تطلق لهم الحرية في تكلم اللغة التي يريدونها[95].

إن السلطان محمد الفاتح لم يظهر ما أظهره من التسامح مع نصارى القسطنطينية إلا بدافع إلتزامه الصادق بالإسلام العظيم، وتأسياً بالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم ، ثم بخلفائه الراشدين من بعده، الذين أمتلأت صحائف تاريخهم بمواقف التسامح الكريم مع أعدائهم[96].

الفاتح المعنوي للقسطنطينية

الشيخ آق شمس الدين

هو محمد بن حمزة الدمشقي الرومي ارتحل مع والده الى الروم، وطلب فنون العلوم وتبحر فيها وأصبح علم من أعلام الحضارة الإسلامية في عهدها العثماني.

وهو معلم الفاتح ومربيه يتصل نسبه بالخليفة الراشد أبي بكر الصديق t، كان مولوده في دمشق عم 792هـ 1389م حفظ القرآن الكريم وهو في السابعة من عمره، ودرس في أماسيا ثم في حلب ثم في انقرة وتوفي عام 1459هـ.

درّس الشيخ آق شمس الدين الأمير محمد الفاتح العلوم الأساسية في ذلك الزمن وهي القرآن الكريم والسنة النبوية والفقه والعلوم الإسلامية واللغات العربية ، والفارسية والتركية وكذلك في مجال العلوم العلمية من الرياضيات والفلك والتاريخ والحرب وكان الشيخ آق ضمن العلماء الذين أشرفوا على السلطان محمد عندما تولى إمارة مغنيسا ليتدرب على ادارة الولاية، وأصول الحكم .

واستطاع الشيخ آق شمس الدين أن يقنع الأمير الصغير بأنه المقصود بالحديث النبوي: لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش[97].

وعندما أصبح الأمير محمد سلطاناً على الدولة العثمانية، وكان شاباً صغير السن وجّهه شيخه فوراً الى التحرك بجيوشه لتحقيق الحديث النبوي فحاصر العثمانيون القسطنطينية براً وبحراً. ودارت الحرب العنيفة 54 يوماً.

وعندما حقق البيزنطيون انتصاراً مؤقتاً وابتهج الشعب البيزنطي بدخول أربع سفن ارسلها البابا إليهم وارتفعت روحهم المعنوية اجتمع الأمراء والوزراء العثمانيون وقابلوا السلطان محمد الفاتح وقالوا له : إنك دفعت بهذا القدر الكبير من العساكر الى هذا الحصار جرياً وراء كلام أحد المشايخ -يقصدون آق شمس الدين- فهلكت الجنود وفسد كثير من العتاد ثم زاد الأمر على هذا بأن عون من بلاد الأفرنج للكافرين داخل القلعة، ولم يعد هناك أمل في هذا الفتح...[98]. فأرسل السلطان محمد وزيره ولي الدين أحمد باشا الى الشيخ آق شمس الدين في خيمته يسأله الحل فأجاب الشيخ: لابد من أن يمنّ الله بالفتح[99].

ولم يقتنع السلطان بهذا الجواب، فأرسل وزيره مرة أخرى ليطلب من الشيخ أن يوضح له أكثر، فكتب هذه الرسالة الى تلميذه محمد الفاتح يقول فيها: هو المعزّ الناصر ... إن حادث تلك السفن قد أحدث في القلوب التكسير والملامة وأحدث في الكفار الفرح والشماتة. إن القضية الثابتة هي : إن العبد يدبر والله يقدر والحكم لله... ولقد لجأنا الى الله وتلونا القرآن الكريم وماهي إلا سنة من النوم بعد إلا وقد حدثت ألطاف الله تعالى فظهرت من البشارات مالم يحدث مثلها من قبل[100].

أحدث هذا الخطاب راحة وطمأنينة في الأمراء والجنود. وعلى الفور قرر مجلس الحرب العثماني الاستمرار في الحرب لفتح القسطنطينية، ثم توجه السلطان محمد الى خيمة الشيخ شمس الدين فقبل يده، وقال : علمني ياسيدي دعاءً أدعو الله به ليوفقني ، فعلمه الشيخ دعاءً، وخرج السلطان من خيمة شيخه ليأمر بالهجوم العام[101].

اراد السلطان أن يكون شيخه بجانبه أثناء الهجوم فأرسل إليه يستدعيه لكن الشيخ كان قد طلب ألا يدخل عليه أحد الخيمة ومنع حراس الخيمة رسول السلطان من الدخول وغضب محمد الفاتح وذهب بنفسه الى خيمة الشيخ ليستدعيه، فمنع الحراس السلطان من دخول الخيمة بناءً على أمر الشيخ، فأخذ الفاتح خنجره وشق جدار الخيمة في جانب من جوانبها ونظر الى الداخل فإذا شيخه ساجداً لله في سجدة طويلة وعمامته متدحرجة من على رأسه وشعر رأسه الأبيض يتدلى على الأرض، ولحيته البيضاء تنعكس مع شعره كالنور، ثم رأى السلطان شيخه يقوم من سجدته والدموع تنحدر على خديه، فقد كان يناجي ربه ويدعوه بأنزال النصر ويسأله الفتح القريب[102].

وعاد السلطان محمد الفاتح عقب ذلك الى مقر قيادته ونظر الى الأسوار المحاصرة فإذا بالجنود العثمانيين وقد أحدثوا ثغرات بالسور تدفق منها الجنود الى القسطنطينية[103].

ففرح السلطان بذلك وقال ليس فرحي لفتح المدينة إنما فرحي بوجود مثل هذا الرجل في زمني[104].

وقد ذكر الشوكاني في البدر الطالع أن الشيخ شمس الدين ظهرت بركته وظهر فضله وأنه حدد للسلطان الفاتح اليوم الذي تفتح فيه القسطنطينية على يديه[105].

وعندما تدفقت الجيوش العثمانية الى المدينة بقوة وحماس، تقدم الشيخ الى السلطان الفاتح ليذكره بشريعة الله في الحرب وبحقوق الأمم المفتوحة كما هي في الشريعة الاسلامية[106].

وبعد أن أكرم السلطان محمد الفاتح جنود الفتح بالهدايا والعطايا وعمل لهم مأدبة حافلة استمرت ثلاثة أيام اقيمت خلالها الزينات والمهرجانات، وكان السلطان يقوم بخدمة جنوده بنفسه متمثلاً بالقول السائد سيد القوم خادمهم. ثم نهض ذلك الشيخ العالم الورع آق شمس الدين وخطبهم، فقال: ياجنود الاسلام. اعلموا واذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في شأنكم: لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش[107]. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا ويغفر لنا. ألا لاتسرفوا في ما أصبتم من أموال الغنيمة ولاتبذروا وأنفقوها في البر والخير لأهل هذه المدينة، واسمعوا لسلطانكم وأطيعوه وأحبوه. ثم التفت الى الفاتح وقال له : ياسلطاني ، لقد أصبحت قرة عين آل عثمان فكن على الدوام مجاهداً في سبيل الله. ثم صاح مكبراً بالله في صوت جهوري جليد[108].

وقد اهتدى الشيخ آق شمس الدين بعد فتح القسطنطينية الى قبر الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري بموضع قريب من سور القسطنطينية[109].

وكان الشيخ آق شمس الدين أول من ألقي خطبة الجمعة في مسجد آيا صوفيا[110].

الشيخ شمس الدين يخشى على السلطان من الغرور:

كان السلطان محمد الفاتح يحب شيخه شمس الدين حباً عظيماً، وكانت له مكانة كبيرة في نفسه وقد بين السلطان لمن حوله -بعد الفتح- : إنكم ترونني فرحاً . فرحي ليس فقط لفتح هذه القلعة إن فرحي يتمثل في وجود شيخ عزيز الجانب، في عهدي، هو مؤدبي الشيخ آق شمس الدين.

وعبر الشيخ عن تهيبه لشيخه في حديث له مع وزيره محمود باشا. قال السلطان الفاتح: إن احترامي للشيخ آق شمس الدين، احترام غير اختياري . إنني أشعر وأنا بجانبه بالانفعال والرهبة[111].

ذكر صاحب البدر الطالع أن :... ثم بعد يوم جاء السلطان الى خيمة صاحب الترجمة - أي آق شمس الدين - وهو مضطجع فلم يقم له فقبل السلطان يده وقال له جئتك لحاجة قال: وماهي؟ قال: ان ادخل الخلوة عندك فأبى فأبرم عليه السلطان مراراً وهو يقول: لا. فغضب السلطان وقال أنه يأتي إليك واحد من الاتراك فتدخله الخلوة بكلمة واحدة وأنا تأبى عليّ فقال الشيخ: إنك اذا دخلت الخلوة تجد لذة تسقط عندها السلطنة من عينيك فتختل أمورها فيمقت الله علينا ذلك والغرض من الخلوة تحصيل العدالة فعليك أن تفعل كذا وكذا وذكر له شيئاً من النصائح ثم ارسل إليه ألف دينار فلم يقبل ولما خرج السلطان محمد خان قال لبعض من معه: ماقام الشيخ لي. فقال له: لعله شاهد فيك من الزهو بسبب هذا الفتح الذي لم يتيسر مثله للسلاطين العظام فاراد بذلك أن يدفع عنك بعض الزهو....[112].

هكذا كان هذا العالم الجليل الذي حرص على تربية محمد الفاتح على معاني الإيمان والاسلام والإحسان ولم يكن هذا الشيخ متبحراً في علوم الدين والتزكية فقط بل كان عالماً في النبات والطب والصيدلة، وكان مشهوراً في عصره بالعلوم الدنيوية وبحوثه في علم النبات ومدى مناسبتها للعلاج من الأمراض. وبلغت شهرته في ذلك أن أصبح مثلاً بين الناس يقول: إن النبات ليحدث آق شمس الدين[113].

التوقيع

آخر تعديل بواسطة ماستر1 ، 27-04-2007 الساعة 10:07 PM.
رد مع اقتباس
  #23 (permalink)  
قديم 27-04-2007, 10:08 PM
الصورة الرمزية ماستر1
مراقب عام ( ابو سلطان )
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
الدولة: (وجــمــيــع مــافــي الــكــون شــاهــد ان الإلــه الــحــق واحــد )
المشاركات: 10,440
وقال الشوكاني عنه: ...وصار مع كونه طبيباً للقلوب طبيباً للأبدان فإنه اشتهر أن الشجرة كانت تناديه وتقول: أنا شفاء من المرض الفلاني ثم اشتهرت بركته وظهر فضله... [114].

وكان الشيخ يهتم بالأمراض البدنية قدر عنايته بالأمراض النفسية.

واهتم الشيخ آق شمس الدين اهتماماً خاصاً بالامراض المعدية، فقد كانت هذه الامراض في عصره تسبب في موت الآلاف، وألف في ذلك كتاباً بالتركية بعنوان "مادة الحياة" قال فيه: من الخطأ تصور أن الأمراض تظهر على الاشخاص تلقائيا، فالأمراض تنتقل من شخص الى آخر بطريق العدوى. هذه العدوى صغيرة ودقيقة الى درجة عدم القدرة على رؤيتها بالعين المجردة. لكن هذا يحدث بواسطة بذور حيّة [115].

وبذلك وضع الشيخ آق شمس الدين تعريف الميكروب في القرن الخامس عشر الميلادي. وهو أول من فعل ذلك ، ولم يكن الميكروسكوب قد خرج بعد. وبعد أربعة قرون من حياة الشيخ آق شمس الدين جاء الكيميائي والبيولوجي الفرنسي لويس باستير ليقوم بأبحاثه وليصل الى نفس النتيجة.

وأهتم الشيخ آق شمس الدين أيضاً بالسرطان وكتب عنه وفي الطب ألف الشيخ كتابين هما: مادة الحياة ، وكتاب الطب ، وهما باللغة التركية والعثمانية. وللشيخ باللغة العربية سبع كتب، هي : حل المشكلات، الرسالة النورية ، مقالات الأولياء، رسالة في ذكر الله، تلخيص المتائن، دفع المتائن، رسالة في شرح حاجي بايرام ولي[116].

وفاته:

عاد الشيخ الى موطنه كونيوك بعد أن أحسس بالحاجة الى ذلك رغم إصرار السلطان على بقائه في استنبول ومات عام 863هـ/1459م فعليه من الله الرحمة والمغفرة والرضوان[117].

وهكذا سنة الله في خلقه لايخرج قائد رباني ، وفاتح مغوار إلا كان حوله مجموعة من العلماء الربانيين يساهمون في تعليمه وتربيته وترشيده والأمثلة في ذلك كثيرة وقد ذكرنا دور عبدالله بن ياسين مع يحيى بن ابراهيم في دولة المرابطين، والقاضي الفاضل مع صلاح الدين في الدولة الأيوبية ، وهذا آق شمس الدين مع محمد الفاتح في الدولة العثمانية فرحمة الله على الجميع وتقبل الله جهودهم وأعمالهم وأعلى ذكرهم في المصلحين.

أثر فتح القسطنطينية على العالم الأوروبي والإسلامي

كانت القسطنطينية قبل فتحها عقبة كبيرة في وجه انتشار الإسلام في أوروبا ولذلك فإن سقوطها يعني فتح الاسلام لدخول أوروبا بقوة وسلام لمعتنقيه أكثر من ذي قبل ، ويعتبر فتح القسطنطينية من أهم أحداث التاريخ العالمي، وخصوصاً تاريخ أوروبا وعلاقتها بالإسلام حتى عده المؤرخون الأوروبيون ومن تابعهم نهاية العصور الوسطى وبداية العصور الحديثة[118].

وقد قام السلطان بعد ذلك على ترتيب مختلف الأمور في المدينة، وإعادة تحصينها، واتخذها عاصمة للدولة العثمانية وأطلق عليها لقب اسلام بول أي مدينة الاسلام[119].

لقد تأثر الغرب النصراني بنبأ هذا الفتح، وانتاب النصارى شعور بالفزع والالم والخزي ، وتجسم لهم خطر جيوش الاسلام القادمة من استنبول ، وبذل الشعراء والادباء ما في وسعهم لتأجيج نار الحقد وبراكين الغضب في نفوس النصارى ضد المسلمين ، وعقد الامراء والملوك اجتماعات طويلة ومستمرة وتنادى النصارى الى نبذ الخلافات والحزازات وكان البابا نيقولا الخامس أشد الناس تأثراً بنبأ سقوط القسطنطينية، وعمل جهده وصرف وقته في توحيد الدول الايطالية وتشجيعها على قتال المسلمين، وترأس مؤتمراً عقد في روما أعلنت فيه الدول المشتركة عن عزمها على التعاون فيما بينها وتوجيه جميع جهودها وقوتها ضد العدو المشترك. وأوشك هذا الحلف أن يتم إلا أن الموت عاجل البابا بسبب الصدمة العنيفة الناشئة عن سقوط القسطنطينية في يد العثمانيين والتي تسببت في همه وحزنه فمات كمداً في 25 مارس سنة 1455م[120].

وتحمس الأمير فيليب الطيب دوق بورجونديا والتهب حماساً وحمية واستنفر ملوك النصارى الى قتال المسلمين وحذ حذوه البارونات والفرسان والمتحمسون والمتعصبون للنصرانية، وتحولت فكرة قتال المسلمين الى عقيدة مقدسة تدفعهم لغزو بلادهم ، وتزعمت البابوية في روما حروب النصارى ضد المسلمين وكان السلطان محمد الفاتح بالمرصاد لكل تحركات النصارى، وخطط ونفذ مارآه مناسباً لتقوية دولته وتدمير أعدائه، واضطر النصارى الذين كانوا يجاورون السلطان محمد أو يتاخمون حدوده ففي آماسيا، وبلاد المورة ، طرابيزون وغيرهم أن يكتموا شعورهم الحقيقي، فتظاهروا بالفرح وبعثوا وفودهم الى السلطان في أدرنة لتهنئته على انتصاره العظيم[121].

وحاول البابا بيوس الثاني بكل ما أوتي من مقدرة خطابية ، وحنكة سياسية، تأجيج الحقد الصليبي في نفوس النصارى شعوباً وملوكاً، قادة وجنوداً واستعدت بعض الدول لتحقيق فكرة البابا الهادفة للقضاء على العثمانيين ولما حان وقت النفير اعتذرت دول أوروبا بسبب متاعبها الداخلية، فلقد انهكت حرب المائة عام انكلتر وفرنسا، كما أن بريطانيا كانت منهمكة في مشاغلها الدستورية وحروبها الأهلية، وأما أسبانيا فهي مشغولة بالقضاء على مسلمي الأندلس وأما الجمهوريات الايطالية فكانت تهتم بتوطيد علاقاتها بالدولة العثمانية مكرهة وحباً في المال ، فكانت تهتم بعلاقتها مع الدولة العثمانية.

وانتهى مشروع الحملة الصليبية بموت زعيمها البابا واصبحت المجر والبندقية تواجه الدولة العثمانية لوحدهما؛ أما البندقية فعقدت معاهدة صداقة وحسن جوار مع العثمانيين رعاية لمصالحها وأما المجر فقد انهزمت أمام الجيوش العثمانية واستطاع العثمانيون أن يضموا الى دولتهم بلاد الصرب، واليونان والافلاق والقرم والجزر الرئيسية في الأرخبيل. وقد تم ذلك في فترة قصيرة ، حيث داهمهم السلطان الفاتح، وشتت شملهم ، واخذهم أخذاً عظيماً[122].

وحاول البابا بيوس الثاني بكل ما أوتي من مهارة وقدرة سياسية تركيز جهوده في ناحيتين اثنتين : حاول أولاً أن يقنع الاتراك باعتناق الدين النصراني، ولم يقم بارسال بعثات تبشيرية لذلك الغرض وانما اقتصر على ارسال خطاب الى السلطان محمد الفاتح يطلب منه أن يعضد النصرانية، كما عضدها قبله قسطنطين وكلوفيس ووعده بأنه سيكفر عنه خطاياه ان هو اعتنق النصرانية مخلصاً، ووعده بمنحه بركته واحتضانه ومنحه صكاً بدخول الجنة. ولما فشل البابا في خطته هذه لجأ الى الخطة الثانية خطة التهديد والوعيد واستعمال القوة، وكانت نتائج هذه الخطة الثانية قد بدأ فشلها مسبقاً بهزيمة الجيوش الصليبية والقضاء على الحملة التي قادها هونياد المجري[123].

وأما آثار هذا الفتح المبين في المشرق الاسلامي - فنقول لقد عم الفرح والابتهاج المسلمين في ربوع آسيا وأفريقيا فقد كان هذا الفتح حلم الأجداد وأمل الاجيال ، ولقد تطلعت له طويلاً وهاقد تحقق وارسل السلطان محمد الفاتح رسائل الى حكام الديار الاسلامية في مصر والحجاز وبلاد فارس والهند وغيرها؛ يخبرهم بهذا النصر الاسلامي العظيم- وأذيعت أنباء الانتصار من فوق المنابر، وأقيمت صلوات الشكر، وزينت المنازل والحوانيت وعلقت على الجدران والحوائط والأعلام والأقمشة المزركشة بألوانها المختلفة[124].

يقول ابن إياس صاحب كتاب بدائع الزهور في هذه الواقعة : فلما بلغ ذلك ، ووصل وفد الفاتح، دقت البشائر بالقلعة، ونودي في القاهرة بالزينة، ثم أن السلطان عين برسباي أمير آخور ثاني رسولاً الى ابن عثمان يهنئه بهذا الفتح[125].

وندع المؤرخ أبا المحاسن بن تغري بردي يصف شعور الناس وحالهم في القاهرة عندما وصل إليها وفد الفاتح ومعهم الهدايا واسيران من عظماء الروم، قال : قلت ولله الحمد والمنة على هذا الفتح العظيم وجاء القاصد المذكور ومعه اسيران من عظماء اسطنبول وطلع بهما الى السلطان سلطان مصر إينال وهما من أهل القسطنطينية وهي الكنيسة العظيمة باسطنبول فسر السلطان والناس قاطبة بهذا الفتح العظيم ودقت البشائر لذلك وزينت القاهرة بسبب ذلك أياماً ثم طلع القاصد المذكور وبين يديه الأسيران الى القلعة في يوم الاثنين خامس وعشرين شوال بعد أن اجتار القاصد المذكور ورفقته بشوارع القاهرة. وقد احتفلت الناس بزينة الحوانيت والأماكن وأمعنوا في ذلك الى الغاية وعمل السلطان الخدمة بالحوش السلطاني من قلعة الجبل.. [126].

وهذا الذي ذكره ابن تغري بردي من وصف احتفال الناس وأفراحهم في القاهرة بفتح القسطنطينية ما هو إلا صورة لنظائر لها قامت في البلاد الإسلامية الأخرى. وقد بعث السلطان محمد الفاتح برسائل الفتح إلى سلطان مصر وشاه ايران وشريف مكة وأمير القرمان، كما بعث بمثل هذه الرسائل إلى الأمراء المسيحيين المجاورين له في المورة والأفلاق والمجر والبوسنة وصربيا وألبانيا والى جميع أطراف مملكته[127].


--------------------------------------------------------------------------------

[1] انظر: العثمانيون في التاريخ والحضارة، ص253.

[2] انظر: قيام الدولة العثمانية ، ص43.

[3] انظر: اوروبا في العصور الوسطى، سعيد عاشور، ص29.

[4] فتح القسطنطينية وسيرة السلطان محمد الفاتح، د.محمد مصطفى، ص36-46.

[5] المجتمع المدني الجهاد ضد المشركين، د. أكرم ضياء العمري، ص115.

[6] احمد في مسنده 4/335.

[7] المصدر السابق نفسه 4/335.

[8]ابن خلدون العبر 3/70 ، تاريخ خليفة بن خياط، ص315.

[9] خليفة بن خياط، تاريخه، ص458، تاريخ الطبري 10/69، ابن الأثير الكامل 6/185،186.

[10] قيام الدولة العثمانية، ص46.

[11] تاريخ سلاطين آل عثمان ، ص18.

[12] انظر: الفتوح الاسلامية عبر العصور ، د. عبدالعزيز العمري، ص358.

[13] انظر: الفتوح الاسلامية عبر العصور، ص358.

[14] المصدر السابق نفسه، ص359.

[15] انظر: تاريخ الدولة العثمانية ، د. علي حسون، ص42.

[16] كتاب الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية، ص52 نقلاً عن تاريخ الدولة العثمانية، ص43.

[17] انظر: تاريخ الدولة العثمانية، د.علي حسون، ص43.

[18] رواه احمد في مسنده 4/335.

[19] انظر: الفتوح الاسلامية عبر العصور، ص359.

[20] انظر: تاريخ الدولة العلية العثمانية، محمد فريد بك، ص161.

[21] انظر: سلاطين آل عثمان، ص26.

[22] انظر: الفتوح الاسلامية عبر العصور، ص361.

[23] انظر: محمد الفاتح ، ص90، سالم الرشيدي .

[24] انظر: تاريخ سلاطين آل عثمان ، ص58.

[25] انظر: فتح القسطنطينية، محمد صفوت، ص69.

[26] انظر: محمد الفاتح للرشيدي، ص89.

[27] انظر: سلاطين آل عثمان، ص2؛ محمد الفاتح، ص96.

[28] انظر: محمد الفاتح، سالم الرشيدي، ص82؛ فتح القسطنطينية محمد صفوت، ص57.

[29] انظر: سلاطين آل عثمان، ص24،25.

[30] انظر: الفتوحات الاسلامية عبر العصور، ص364.

[31] انظر: محمد الفاتح ، ص98؛ العثمانيون والبلقان،ص89.

[32] انظر: العثمانيون والبلقاء، د.علي حسون، ص92.

[33] انظر: محمد الفاتح للرشيدي، ص120.

[34] انظر: محمد الفاتح للرشيدي، ص100.

[35] انظر: تاريخ سلاطين آل عثمان، ص58.

[36] محمد الفاتح، عبدالسلام فهمي ، ص92.

[37] انظر: الفتوح الاسلامية عبر العصور، ص367.

[38] انظر: محمد الفاتح ، عبدالسلام فهمي، ص123.

[39] انظر: الفتوح الاسلامية عبر العصور، ص368.

[40] انظر: محمد الفاتح للرشيدي، ص101.

[41] انظر: مواقف حاسمة، محمد عبدالله عنان، ص180.

[42] انظر: محمد الفاتح للرشيدي، ص103.

[43] المصدر السابق نفسه، ص103.

[44] انظر: محمد الفاتح للرشيدي، ص103.

[45] انظر: الفتوح الاسلامية عبر العصور، ص369.

[46] انظر: السلطان محمد الفاتح، عبدالسلام فهمي، ص100.

[47] الفتوح الاسلامية عبر العصور، ص370.

[48] انظر: السلطان محمد الفاتح، عبدالسلام فهمي،ص102.

[49] انظر: الفتوح الاسلامية عبر العصور، ص370.

[50] تاريخ الدولة العثمانية ، يلماز أوزنتونا، ص135.

[51] انظر: محمد الفاتح، ص106.

[52] انظر: محمد الفاتح، ص106.

[53] انظر: الفتوح الاسلامية عبر العصور ، ص371.

[54] المصدر السابق نفسه، ص371.

[55] انظر: محمد الفاتح، ص116.

[56] المصدر السابق نفسه، ص106.

[57] انظر: السلطان محمد الفاتح، ص108.

[58] المصدر السابق نفسه، ص108.

[59] انظر: الفتوح الاسلامية عبر العصور، ص372.

[60] انظر: السلطان محمد الفاتح، ص110.

[61] انظر: محمد الفاتح للرشيدي، ص144.

[62] انظر: السلطان محمد الفاتح، ص122.

[63] انظر: محمد الفاتح للرشيدي، ص118.

[64] انظر: الفتوح الاسلامية عبر العصور، ص375.

[65] انظر: محمد الفاتح للرشيدي ، ص119.

[66] محمد الفاتح ، عبدالسلام فهمي ، ص116.

[67] الفتوح الاسلامية عبر العصور، ص376.

[68] المصدر السابق، ص376.

[69] انظر: فتح القسطنطينية ، محمد صفوت، ص103.

[70] انظر: الفتوح الاسلامية عبر العصور، ص377.

[71] انظر: محمد الفاتح للرشيدي، ص122.

[72] انظر: محمد الفاتح، ص122.

[73] انظر: محمد الفاتح، ص122.

[74] انظر: تاريخ الدولة العلية ، محمد فريد، ص164.

[75] انظر: تاريخ سلاطين آل عثمان ، يوسف آصاف، ص60.

[76] انظر: الفتوح الاسلامية عبر العصور، ص378.

[77] انظر: محمد الفاتح ، ص125.

[78] انظر: محمد الفاتح، ص126.

[79] المصدر السابق نفسه ، ص126.

[80] المصدر السابق، ص129.

[81] محمد الفاتح ، ص129.

[82] المصدر السابق نفسه ،ص130.

[83] الفتوح الاسلامية عبر العصور، ص380.

[84] المصدر السابق نفسه، ص

[85] انظر: الفتوح الاسلامية عبر العصور ، ص382.

[86] محمد الفاتح ، ص137.

[87] انظر: محمد الفاتح، ص139.

[88] المصدر السابق نفسه، ص131.

[89] الفتوح الاسلامية عبر العصور، ص383.

[90] المصدر السابق نفسه، ص384.

[91] انظر: جوانب مضيئة ، ص265.

[92] المصدر السابق نفسه، ص267.

[93] انظر: السلطان محمد الفاتح، ص134،135.

[94] انظر: جوانب مضيئة ، ص274.

[95] المصدر السابق نفسه، ص283.

[96] المصدر السابق نفسه، ص287.

[97] سبق تخريج الحديث.

[98] انظر: البطولة والفداء عند الصوفية، أسعد الخطيب، ص146.

[99] انظر: العثمانيون في التاريخ والحضارة، ص373.

[100] العثمانيون في التاريخ والحضارة ، ص373.

[101] المصدر السابق نفسه، ص373.

[102] العثمانيون في التاريخ والحضارة ، ص374.

[103] المصدر السابق نفسه، ص374.

[104] انظر: البدر الطالع 2/167.

[105] المصدر السابق نفسه 166/2.

[106] انظر: العثمانيون في التاريخ والحضارة، ص374.

[107] سبق تخريج الحديث.

[108] انظر: محمد الفاتح ، ص149.

[109] المصدر السابق نفسه، ص149.

[110] انظر: العثمانيون في التاريخ والحضارة، ص374.

[111] العثمانيون في التاريخ والحضارة، ص375.

[112] البدر الطالع 2/167.

[113] العثمانيون في التاريخ والحضارة، ص375.

[114] البدر الطالع 2/166.

[115] العثمانيون في التاريخ والحضارة، ص376.

[116] العثمانيون في التاريخ والحضارة، ص376.

[117] المصدر السابق نفسه، ص376.

[118] انظر : تاريخ الدولة العثمانية ، يلماز أوزيونا، ص384.

[119] انظر: تاريخ الدولة العلية، محمد فريد بك، ص164.

[120] انظر: السلطان محمد الفاتح ، ص136،137.

[121] المصدر السابق نفسه، ص140.

[122] انظر: السلطان محمد الفاتح، ص140.

[123] انظر: السلطان محمد الفاتح، ص141.

[124] المصدر السابق نفسه، ص142.

[125] المصدر السابق نفسه، ص142.

[126] النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة 16/71.

[127] انظر: محمد الفاتح، ص142.

التوقيع
رد مع اقتباس
  #24 (permalink)  
قديم 27-04-2007, 10:16 PM
الصورة الرمزية ماستر1
مراقب عام ( ابو سلطان )
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
الدولة: (وجــمــيــع مــافــي الــكــون شــاهــد ان الإلــه الــحــق واحــد )
المشاركات: 10,440
قتال المسلمين للأتراك المغول


بقلم فراس نور الحق المشرف العام

على موقع موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة

عن أبي سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوماً صغار الأعين عراض الوجوه كأن أعينهم حدق الجراد كأن وجوههم المجان المطرقة ينتعلون الشعر ويتخذون الدرق حتى يربطوا خيولهم بالنخل) زيارة الجامع الصغير للسيوطي.

حدّثنا الْحَسَنُ عَنْ عَمْرِو بْنِ تَغْلِبَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ (إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تُقَاتِلُوا قَوْماً عِرَاضَ الْوُجُوهِ. كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانٌّ الْمُطْرَقَةُ. وَإِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تُقَاتِلُوا قَوْماً يَنْتَعِلُونَ الشَّعَرَ) ‏سنن ابن ماجة باب الترك رقم الحديث (4098).

حدثنا‏ ‏سليمان بن حرب ‏ ‏حدثنا ‏ ‏جرير بن حازم ‏ ‏سمعت ‏ ‏الحسن ‏ ‏يقول حدثنا ‏ ‏عمرو بن تغلب ‏ ‏قال ‏( ‏سمعت رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يقول ‏ ‏بين يدي الساعة تقاتلون قوماً ينتعلون الشعر وتقاتلون قوما كأن وجوههم ‏‏ المجان المطرقة )صحيح البخاري.

حدثنا ‏ ‏أبو اليمان ‏ ‏أخبرنا ‏ ‏شعيب ‏ ‏حدثنا ‏ ‏أبو الزناد ‏ ‏عن ‏ ‏الأعرج ‏ ‏عن ‏ ‏أبي هريرة ‏ ‏رضي الله عنه ‏‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال : (‏لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوماً نعالهم الشعر وحتى تقاتلوا ‏ ‏الترك ‏ ‏صغار الأعين حمر الوجوه ‏ ‏ذلف ‏ ‏الأنوف كأن وجوههم ‏‏ المجان ‏‏ المطرقة وتجدون من خير الناس أشدهم كراهية لهذا الأمر حتى يقع فيه والناس ‏ ‏معادن ‏ ‏خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام وليأتين على أحدكم زمان لأن يراني أحب إليه من أن يكون له مثل أهله وماله) صحيح البخاري.

حدثنا ‏ ‏سفيان ‏ ‏عن ‏ ‏الزهري ‏ ‏عن ‏ ‏سعيد ‏ ‏عن ‏ ‏أبي هريرة ‏:عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوماً كأن وجوههم ‏‏ المجان ‏‏ المطرقة نعالهم الشعر) مسند أحمد.

حدثنا ‏ ‏علي بن عبد الله ‏ ‏حدثنا ‏ ‏سفيان ‏ ‏قال ‏ ‏الزهري ‏ ‏عن ‏ ‏سعيد بن المسيب ‏ ‏عن ‏ ‏أبي هريرة ‏ ‏رضي الله عنه ‏:‏(عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال ‏‏لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما كأن وجوههم ‏‏ المجان المطرقة)‏ صحيح البخاري.

‏قال النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم: (‏‏إن من‏ ‏أشراط الساعة‏ ‏أن تقاتلوا قوما ينتعلون نعال الشعر وإن من ‏أشراط الساعة ‏‏أن تقاتلوا قوماً عراض الوجوه كأن وجوههم ‏‏ المجان المطرقة) صحيح البخاري.

حدثنا ‏ ‏أبو بكر بن أبي شيبة ‏ ‏حدثنا ‏ ‏سفيان بن عيينة ‏ ‏عن ‏ ‏أبي الزناد ‏ ‏عن ‏ ‏الأعرج ‏ ‏عن ‏ ‏أبي هريرة ‏ ‏قال (قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوماً صغار الأعين ‏ ‏ذلف ‏ ‏الأنوف كأن وجوههم ‏‏ المجان ‏‏ المطرقة ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر).

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : ( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ التُّرْكَ قَوْمًا كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ, يَلْبَسُونَ الشَّعْرَ , وَيَمْشُونَ فِي الشَّعْر)صحيح مسلم.

معاني الكلمات :

(الْمَجَانّ): جمع مجن وهو التُّرْس. ‏

‏( الْمُطْرَقَة ) ‏‏بِالتَّخْفِيفِ اِسْم مَفْعُول مِنْ الْإِطْرَاق وَالتُّرْس الْمُطْرَق الَّذِي جُعِلَ عَلَى ظَهْره طِرَاق وَالطِّرَاق بِالْكَسْرِ جِلْد يُقْطَع عَلَى مِقْدَار التُّرْس فَيُلْصَق عَلَى ظَهْره شَبَّهَ وُجُوههمْ بِالتُّرْسِ لِبَسْطِهَا وَتَدْوِيرهَا وَبِالْمِطْرَقَةِ لِغِلَظِهَا وَكَثْرَة لَحْمهَا .

( ذُلْف الْأُنُوف ): جَمْع ذُلْفَة يُقَال رَجُل أَذْلَف أَيْ قَصِير الْأَنْف وَقِيلَ أَيّ غَلِيظ.

حدق الجراد: أعين الجراد.

قَوْلُهُ : ( حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمْ الشَّعَرُ ) ‏أصح من نقل عن شراح الحديث أن المقصود بلبس الشعر هو ما كانوا يلبسونه من فراء الْقُنْدُسُ (كَلْبِ الْمَاءِ) على رأسهم وعلى أرجلهم.

لقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن أمور سوف تحدث بعد مماته وهي من قبيل الإعجاز الغيبي ومنها أخباره صلى الله عليه وسلم عن أن المسلمين سوف يقاتلون قوماً ووصفهم بـأنهم (من الترك صغار الأعين وشهبه أعينهم بعيون الجراد صغراً (وهذا للمبالغة) وشبه وجوههم بالترس لبسطها وتدويرها وبالمطرقة لغلظها وكثرة لحمها، كما أن وجوهم تتصف بأنها عريضة وتميل إلى الحمرة ولهم أنوف قصيرة وغليظة ويلبسون الشعر وينتعلون الشعر وهو عبارة عن جلد حيوان القندس الذي كانوا يتخذونه على رأسهم ويلبسونه على أرجلهم).

ولقد تحقق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم حيث حدث قتال بين المسلمين وقبائل المغول والأتراك (التتار) الذين يعيشون في تركستان الشرقية التي بين الصين وروسيا.

وإليكم ملخص لما حدث:

نجح جنكيز خان الذي تزعم القبائل المغولية[1] في إقامة إمبراطورية كبيرة ضمن أقاليم الصين الشمالية، واستولت على العاصمة بكين، ثم اصطدم بالدولة الخوارزمية التي كانت تجاوره بسبب سوء تصرف حاكمها "محمد خوارزم شاه". وانتهى الحال بأن سقطت الدولة وحواضرها المعروفة مثل: "بخارى"، "وسمرقند"، و"نيسابور" في يد المغول بعد أن قتلوا كل من فيها من الأحياء، ودمروا كل معالمها الحضارية، وتوفي جنكيز خان سنة (624هـ = 1223م) بعد أن سيطرت دولته على كل المنطقة الشرقية من العالم الإسلامي.

بعد سلسلة من الصراعات على تولي السلطة بين أمراء البيت الحاكم تولى "منكوقآن بن تولوي بن جنكيز خان" عرش المغول في (ذي الحجة 648هـ = إبريل 1250م). وبعد أن نجح في إقرار الأمن وإعادة الاستقرار في بلاده اتجه إلى غزو البلاد التي لم يتيسر فتحها من قبل، فأرسل أخاه الأوسط "قوبيلاي" على رأس حملة كبيرة للسيطرة على جنوب الصين ومنطقة جنوب شرق آسيا، وأرسل أخاه الأصغر هولاكو لغزو إيران وبقية بلاد العالم الإسلامي، وعهد إليه بالقضاء على طائفة الإسماعيلية وإخضاع الخلافة العباسية.

خرج هولاكو على رأس جيش كبير يبلغ 120 ألف جندي من خيرة جنود المغول المدربين تدريبا عاليا في فنون القتال والنزال ومزودين بأسلحة الحرب وأدوات الحصار، وتحرك من "قراقورم" عاصمة المغول سنة (651هـ = 1253م) متجها نحو الغرب تسبقه سمعة جنوده في التوغل والاقتحام، وبأسهم الشديد في القتال، وفظائعهم في الحرب التي تزرع الهلع والخوف في النفوس، ووحشيتهم في إنزال الخراب والدمار في أي مكان يحلون به.


صورة للوحة قديمة تظهر حصار بغداد من قبل المغول

القضاء على الإسماعيلية: وعندما وصل هولاكو إلى الأراضي الإيرانية خرج أمراؤها لاستقباله وأمطروه بالهدايا الثمينة وأظهروا له الولاء والخضوع، ثم عبر هولاكو نهر جيحوم واتجه إلى قلاع طائفة الإسماعيلية، ودارت بينه وبينها معارك عديدة انتهت بهزيمة الطائفة ومقتل زعيمها "ركن الدين خورشاه".

نجح هولاكو في تحقيق هدفه الأول بالقضاء على الطائفة الإسماعيلية وتدمير قلاعها وإبادة أهلها، وبدأ في الاستعداد لتحقيق هدفه الآخر بالاستيلاء على بغداد والقضاء على الخلافة العباسية؛ فانتقل إلى مدينة "همدان" واتخذها مقرا لقيادته، وكان أول عمل قام به أن أرسل إلى الخليفة العباسي المستعصم بالله رسالة في (رمضان 655 هـ = مارس 1257 م) يدعوه فيها إلى أن يهدم حصون بغداد وأسوارها ويردم خنادقها، وأن يأتي إليه بشخصه ويسلم المدينة له، وأوصاه بأن يستجيب حتى يحفظ مركزه ومكانته ويضمن حريته وكرامته، وإن أبى واستكبر فسيحل بأهله وبلاده الدمار والخراب، ولن يدع أحدا حيا في دولته.


صورة للوحة قديمة تظهر أدوات الحصار التي أستعملها المغول في اقتحام بعداد

لم يكن الخليفة العباسي يعرف ما هو العمل ضد غزو هولاكو لبلاده, فدافع بضعف عن بغداد. "ويذكر تاريخيا أن سبب ضعف جيشه كان بسبب مشورة احد وزرائه وهو ابن العلقمي". وعندما سقطت بغداد , أمر هولاكو بتقسيمها إلى عدة أقسام حسب سكانها - مثال لذلك وضعه المتعلمين و المسيحين في أحدى الأقسام كيلا يمسهم جنوده بسوء وقد كان في جيش هولاكو كتائب كاملة من حلفائه المسيحيين الأرمن و الكرج(الجورجيين),و كان هؤلاء هم الأكثر فتكاً في استباحة مسلمي بغداد و العراق وقد قتل على الأقل 250,000 منهم " يقال انه قتل تقريبا 800,000 من سكان بغداد". بعد ذلك, قتل هولاكو الخليفة العباسي بأن لفه سجاده وجعل يوسع ضربا ودهسا من الخيول .

وجه الإعجاز الغيبي :
1. وصف النبي صلى الله عليه وسلم لقبائل المغول التركية التي سوف تحارب أمته الإسلامية بعد وفاته والتي هي من علامات الساعة ولقد بحثت عن صور للوحات قديمة لملوك المغول القدماء على شبكة الإنترنت فرأيت العجب العجاب، فهي تطابق تماماً وصف النبي صلي الله عليه وسلم.

وإليكم بعض الصور :


صورة للوحة قديمة لجنكيز خان(Genghis Khan) مؤسسة الإمبراطورية المغولية




صورة للإمبراطور قبلاي خان المغولي تظهر عليه الحمرة التي أخبر عنها النبي



صورة للإمبراطور ( Tomor Olziit Khaan )تومور أولزيت خان أحد ملوك المغول




صورة لرجل مغولي يرتدي الزي التقليدي للمقاتل المغولي لاحظ فراء القندس الذي يرتديه على رأسه




صورة للوحة قديمة تظهر مقاتل مغولي لاحظ أنه يلبس حذاء من الفراء في قدميه


2. إخبار النبي صلى الله عليه وسلم أن الترك سوف يحابون المسلمين وكان كما قال عليه الصلاة والسلام حيث غزا المغول الترك الخلافة الإسلامية في زمان الدولة العباسية حيث سقطت حاضرة الخلافة في يوم الأحد الموافق (4 من صفر 656 هـ= 10 فبراير 1258م).

لمراسلة المؤلف : nouralhak@hotmail.com

المصادر والمراجع:

موقع http://en.wikipedia.org/wiki/Main_Page

موقع إسلام أون لاين www.islamonline.net

مختار الصحاح

صحيح البخاري، صحيح مسلم، مسند أحمد، شرح البخاري، وشرح مسلم.


--------------------------------------------------------------------------------

[1] نشأ المغول في أواسط آسيا في المنطقة المعروفة بمنغوليا وعاش هؤلاء القوم في بلادهم شظف العيش يعملن بالصيد والرعي في حياة كلها ترحال وتجوال وكثر بينهم النزاع والشقاق وتكررت غاراتهم على المناطق الخصبة المجاورة.... ظلت القبائل في منازعاتها وتمزقها :

• حتى بزغ نجم بطلهم التاريخي العظيم – جنكيزخان* Khan Genghis– الذي وحّد تحت إمرته قبائل المغول والأتراك ، وابتدأ فتوحه في شمال الصين فأخضع معظمها ، • ثم اتـجه غرباً ، فدمَّر الدولة الخوارزمية العظيمة – وكانت في ذروة قوتها – واحتل ممالكها على التـتابع : بلاد ما وراء النهر ثم خراسان ثم فارس ..

• وفي طريقهم.. دمّر المغول دولة "الإسماعيليين الحشّاشين"- في إيران- الذين كانوا مصدر إرهاب وخوف للمسلمين ، إذ كانوا قد اغتالوا عدداً من قادة ذلك العصر المخالفين لمذهبهم أمثال الوزير السلجوقي( نظام الملك ) ثم ابنه من بعده!

• ولم يدم فرح المسلمين طويلاً بهذا الخلاص من الإرهابيين الحشاشين ،حيث تابعت جحافل المغول فتوحاتها، حتى دخلت بغداد عنوةً (656هـ) بعد مقاومة باسلة من حامية بغداد ،ولذلك –وكما يكون مصير كل من يقاومهم- قـتل المغول الخليفةَ العباسيَّ ، و قتلوا حاميةَ بغداد ونكَّلوا بأهلها

التوقيع

آخر تعديل بواسطة ماستر1 ، 28-04-2007 الساعة 02:57 AM.
رد مع اقتباس
  #25 (permalink)  
قديم 27-04-2007, 10:18 PM
الصورة الرمزية ماستر1
مراقب عام ( ابو سلطان )
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
الدولة: (وجــمــيــع مــافــي الــكــون شــاهــد ان الإلــه الــحــق واحــد )
المشاركات: 10,440
كتاب دلائل النبوة


بقلم الدكتور منقذ بن محمود السقار

كتاب دلائل النبوة

الكتاب عبارة عن ملف ورد مضغوط يمكن تحميله بالضغط هنا



التوقيع
رد مع اقتباس
  #26 (permalink)  
قديم 28-04-2007, 09:48 PM
الصورة الرمزية ماستر1
مراقب عام ( ابو سلطان )
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
الدولة: (وجــمــيــع مــافــي الــكــون شــاهــد ان الإلــه الــحــق واحــد )
المشاركات: 10,440
خروج الخوارج وقتالهم في النهروان وحروراء


بقلم الأستاذ الدكتور خليل إبراهيم ملّا خاطر العزّامي

أستاذ الحديث وعلومه بجامعة طيبة بالمدينة المنورة

من علامات الساعة التي أشار إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم خروج الخوارج في هذه الأمة، عند حدوث خلاف بين فئتين كبيرتين من المسلمين.

وهذا باب واسع جداً، كثرت فيه الأحاديث النبوية الشريفة، في الصحيحين وغيرهما، عن علي وجابر وابن مسعود وأبي ذر سعيد الخدري وغيرهم رضي الله عنهم، لأن الحديث فيه متواتر[1]حيث بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفهم وحالهم وعبادتهم وعلامتهم، ووقت ومكان خروجهم، والظرف الذي يخرجون فيه، ومآلهم، وأنهم شرُ الخلق.. فوقع ذلك كله طبق ما أخبر به صلى الله عليه وسلم، والمشتكى إلى الله تعالى.

وأقتصر على ذكر بعض النصوص الشريفة، للتنبيه والإشارة، والله تعالى المستعان.

فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يقسم قسماً ـ أتاه ذو الخُويصرة ـ وهو رجل من بني تميم ـ فقال يا رسول الله أعدل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ويلك، ومن يعدل إن لم أعدل؟ قد خبت وخسرت إن لم أعدل).

فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله ائذن لي فيه أضرب عنقه.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( دعه، فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرَّميَّة، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نصيَّه فلا يوجد فيه شيء (وهو القِدح)ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء سبق الفرث والدم. آيتهم رجل أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة ـ أو مثل البضعةـ تدردر، يخرجون على حين فرقةٍ من الناس).

قال أبو سعيد رضي الله تعالى عنه: فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشهد أن عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتمس، فوجد، فأُتي به، حتى نظرت إليه على نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نعت متفق عليه[2].

وما ذكره من حالات السهم، من النصل والرصافة والنضي والقذذ فكلها كناية عن سرعة اختراق السهم للجسد، بحيث لا يعلق به دم ولا فرث، وكذلك حال هؤلاء الخوارج، يمرقون بسرعة من الإسلام، فلا يعلقون منه بشيء والله تعالى أعلم.

وعن زيد بن وهبٍ الجهنيٍّ، أنه كان في الجيش الذي كان مع علي رضي الله عنه الذي سار إلى الخوارج، فقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: أيها الناس، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول : ( يخرج قومٌ من أمتي يقرؤون القرآن، ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرؤون القرآن، يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمِيَّة لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضي لهم على لسان نبيهم صلى الله عليه وسلم، لا تَّكلوا عن العمل، وآية ذلك، أن فيهم رجلاً له عضدٌ، وليس له ذراعٌ، على رأس عضده مثل حلمة الثدي، عليه شعراتٌ بيضٌ..

الحديث بطوله، وفي آخره: فقال عليٌّ رضي الله عنه: التمسوا فيهم المُخدج، فالتمسوه فلم يجدوه، فقام عليٌّ رضي الله عنه بنفسه، حتى أتى أناساً قتل بعضهم على بعض، قال: أخرجوهم. فوجدوه مما يلي الأرض.

فكبّر، ثم قال : صدق الله، وبلغ رسوله.

قال: فقام إليه عبيدة السّلمانيُّ، فقال: يا أمير المؤمنين، آلله الذي لا إله إلا هو، لسمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: إي، والله الذي لا إله إلا هو.

حتى استحلفه ثلاثاً، وهو يحلف له.رواه مسلم[3].

وللحديث طريق أخرى مروية عن عليٍّ رضي الله تعالى عنه.

ويلاحظ بيان هذه الآية التي ذكرها صلى الله عليه وسلم في هذين الحديثين ـ وهي مما لا يمكن أن تصدر بمحض البشرية، ولكنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي لا ينطق عن الهوى، إنما عن الوحي، حيث حدّد تلك العلامة، وهي ذلك الرجل، فكانت كما أخبر، صلوات الله تعالى وسلاماته عليه وعلى آله وصحبه .

وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( يخرج في هذه الأمة ( ولم يقل منها)قوم، تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين، كما يمرق السهم من الرمية..) الحديث بطوله، متفق عليه[4].وللحديث روايات أخرى.

ويلاحظ دقة قول أبي سعيد رضي الله تعالى عنه : ( يخرج في هذه الأمة (ولم يقل منها)قومٌ .. ) دلالة على أن هذه الفئة قد يكونون من غير هذه الأمة لكن ظهروا فيها، وإن كانوا منها فهم ليسوا على نهجها، أو سيرتها.. والله تعالى أعلم.

وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذي يتولى قتل هؤلاء الخوارج هو أولى الطائفتين إلى الحق.

فعن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر قوماً يكونون في أمته، يخرجون في فرقة من الناس، سيماهم التحالق، قال: ( هم شر الخلق ـ أو من شر الخلق ـ يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق) رواه مسلم[5].

وفي رواية له عنه رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق).

كما أخبر صلى الله عليه وسلم حال هذه الطائفة وأنهم شرار الخلق أو من شرار الخلق.

ويروي الحديث أكثر من عشرة من الصحابة رضي الله عنهم.

وقد مر حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه، والذي فيد قوله صلى الله عليه وسلم ( .. هم شر الخلق ـ أو من شرِّ الخلق.. ) رواه مسلم.

وعن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذرٍّ رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن بعدي من أمتي ـ أو سيكون بعدي من أمتي ـ قومٌ يقرؤون القرآن، لا يجاوز حلاقيمهم، يخرجون من الدِّين كما يخرج السهم من الرميِّة، ثم لا يعودون فيه، هم شرُّ الخلق والخليقة).

قال ابن الصامت: فلقيت رافع بن عمرو الغفاريَّن أخا الحكم الغفاريَّ، قلت: ما حديثٌ، سمعته من أبي ذرٍّ، كذا وكذا؟ فذكرت له هذا الحديث.

فقال: وأنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه مسلم[6].

وعن أعليٍّ رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف ناساً ـ إني لأعرف صفتهم في هؤلاء : ( يقولون الحقَّ بألسنتهم، لا يجوز هذا منهم ( وأشار إلى حلقه) من أبغض خلق الله إليه، منهم أسود، إحدى يديه .. ) ثم ذكر نحو حديث السابق رواه مسلم[7].

وكان ابن عمر رضي الله عنهما يراهم شرار خلق الله، وقال : إنهم انطلقوا إلى آيات الله نزلت في الكفار، فجعلوها على المؤمنين[8].

وكل ذلك قد حصل منهم ومن أتباعهم إلى يومنا هذا والمشتكى إلى الله تعالى.

وقد حدّد رسول الله صلى الله عليه وسلم مكان خروجهم، وهو من المشرق، فكان كما قال صلى الله عليه وسلم.

فعن سهل بن حُنيف رضي الله عنه ـ لما سئل: هل سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم يذكر الخواج ـ قال : سمعته ـ وأشار بيده نحو المشرق ـ (قوم يقرؤون القرآن بألسنتهم، لا يعدو تراقيهم، يمرقون من الدّين كما يمرق السهم من الرمية).

وفي رواية عنه رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يتيه قومٌ قبل المشرق محلّقة رؤوسهم) روهما مسلم[9].

وقد تكرر وصفهم بالتحليق، وذلك لأنه ليس من عادة العرب حلق رؤوسهم في ذلك الوقت، والله تعالى أعلم.

وسيأتي إن شاء الله تعالى في القسم الأخير ذكر خوارج آخر الزمان.

وجه الإعجاز : إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن أمور غيبية تحدث بعد وفاته.

المرجع: كتاب مختصر أشراط الساعة بقلم الأستاذ الدكتور خليل إبراهيم ملّا خاطر العّزامي أستاذ الحديث وعلومه بجامعة طيبة بالمدينة المنورة.


--------------------------------------------------------------------------------

[1] انظر : البدايةوالنهاية (7: 290ـ 307).

[2] صحيح البخاري : كتاب الأدب : باب ما جاء في قول الرجل : ويلك، وفي غيرهما. وصحيح مسلم: في الكتاب والباب السابقين، رقم (148).

[3] صحيح مسلم : في الكتاب والباب السابقين، رقم (156).

[4] صحيح البخاري: كتاب فضائل القرآن : باب من رايا بقراءة القرآن أو تأكَّل به أو فخر به، وفي غيرهما. وصحيح مسلم: في الكتاب والباب السابقين، رقم ( 147).

[5] صحيح مسلم : في الكتاب والباب السابقين، رقم ( 149).

[6] صحيح مسلم: كتاب الزكاة : باب الخوارج شر الخلق والخليقة، رقم (158).

[7] صحيح مسلم: كتاب الزكاة : باب التحريض على قتل الخوارج، رقم ( 157).

[8] رواه البخاري ـ تعليقاً ـ كتاب استتابة المرتدين: باب قتل الخوراج والملحدين بعد إ قامة الحجة عليهم، وانظر فتح الباري(12: 282 ـ 286).

[9] صحيح مسلم: في الكتاب والباب السابقين، رقم (159ـ 160).

التوقيع
رد مع اقتباس
  #27 (permalink)  
قديم 28-04-2007, 09:54 PM
الصورة الرمزية ماستر1
مراقب عام ( ابو سلطان )
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
الدولة: (وجــمــيــع مــافــي الــكــون شــاهــد ان الإلــه الــحــق واحــد )
المشاركات: 10,440
إخبار النبي عن معركة الجمل


بقلم الأستاذ الدكتور خليل إبراهيم ملّا خاطر العزّامي

أستاذ الحديث وعلومه بجامعة طيبة بالمدينة المنورة

ومن علامات الساعة التي أشار إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم: معركة الجمل، وما حصل فيها من قتلى كثير، مع الإشارة فيها إلى ولاية عليٍّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.

فعن أبي رافع رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه : ( إنه سيكون بينك وبين عائشة أمرٌ ) قال : أنا يا رسول الله ؟ قال : نعم قال : أنا ؟ قال نعم قال : فأنا أشقاهم يا رسول الله ؟ قال : لا ولكن إذا كان ذلك فارددها إلى مأمنها ).رواه أحمد الطحاوي والبزاري والطبراني، ورجاله ثقات، كما قال الحافظ الهيثمي، وحسنه الحافظ ابن حجر[1].

وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث إلى طرفي النزاع ـ وهما علي وعائشة رضي الله عنهما ـ فإنه صلى الله عليه وسلم قد ذكر العلامة التي ستكون عند ظهور هذا الخلاف، كما أشار إلى الظرف الذي ستكون عليه الأحوال.

فعن السيدة عائشة رضي الله عنها ـ لما أتت على الحوأب، وسمعت نباح الكلاب ـ قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنا : ( أيتكن تبنح عليها كلاب الحوأب[2].. )الحديث بطوله، رواه أحمد وابن شيبة وأبو يعلى والبزار، وصححه ابن حبان والحاكم، والحافظ ابن حجر أيضاً.

وابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لنسائه : (ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الأدبب، تخرج فينبحها كلاب الحوأب، يقتل عن يمينها وعن يسارها قتلى كثير، ثم تنجو بعدها كادت). رواه البزار والطحاوي، برجال ثقات، كما قال الحافظان الهيثمي وابن حجر.

ولقد حدث ما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم :

فعن قيس بن أبي حازم قال : لما أقبلت عائشة فنزلت بعض مياه بني عامر نبحت عليها الكلاب فقالت : أي ماء هذا ؟ قالوا : الحَوأب قالت ما أظنني إلا راجعة, فقال لها بعض من كان معها: بل تقدمين فيراك المسلمون فيصلح الله ذات بينهم , فقالت : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لنا ذات يوم : كيف بإحداكن تنبح عليها كلاب الحوأب[3].

وجه الإعجاز :إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن أمور غيبية تحدث بعد وفاته.

المرجع:كتاب مختصر أشراط الساعة بقلم الأستاذ الدكتور خليل إبراهيم ملّا خاطر العّزامي أستاذ الحديث وعلومه بجامعة طيبة بالمدينة المنورة.


--------------------------------------------------------------------------------

[1] مسند أحمد (6: 393) وشرح مشكل الآثار (14: 267ـ 268 من طريقين ) والمعجم الكبير (1: 314) وكشف الأستار (4: 93ـ 94) ومجمع الزوائد (7: 234) وفتح الباري (13 : 55).

[2] الحوأب : موضع في طريق البصرة محاذي البقرة ، وهو من مياه أبي بكر بن كلاب ، وقال نصر : الحوأب من مياه العرب على طريق البصرة ، وقيل : سمي الحوأب بالحوأب بنت كلب بن وبرة ، وقال أبو منصور : الحوأب موضع بئر نبحت كلابه عائشة عند مقبلها إلى البصرة. وروى أبو مخنف بسنده عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال يوماً لنسائه ، وهنّ عنده جميعاً : ليت شعري أيتكنّ صاحبة الجمل الاَدبب تنبحها كلاب الحوأب ، يُقتل عن يمينها وشمالها قتلى كثيرة ، كلهم في النار ، وتنجو بعدما كادت !

[3] وأخرج هذا أحمد وأبو يعلى والبزار وصححه ابن حبان والحاكم وسنده على شرط الصحيح .

التوقيع
رد مع اقتباس
  #28 (permalink)  
قديم 28-04-2007, 09:59 PM
الصورة الرمزية ماستر1
مراقب عام ( ابو سلطان )
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
الدولة: (وجــمــيــع مــافــي الــكــون شــاهــد ان الإلــه الــحــق واحــد )
المشاركات: 10,440
إخبار النبي عن قتل أمير المؤمنين عمر



بن الخطاب رضي الله عنه

بقلم الدكتور خليل إبراهيم ملّا خاطر العزّاوي

أستاذ الحديث وعلومه بجامعة طيبة بالمدينة المنورة

ومن علامات الساعة التي أشار إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

‏حدثنا ‏ ‏عمر بن حفص بن غياث ‏ ‏حدثنا ‏ ‏أبي ‏ ‏حدثنا ‏ ‏الأعمش ‏ ‏حدثنا ‏ ‏شقيق ‏ ‏سمعت ‏ ‏حذيفة ‏ ‏يقول ‏ ‏بينا نحن جلوس عند ‏عمر ‏إذ قال أيكم يحفظ قول النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏‏في الفتنة قال ‏‏فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال ليس عن هذا أسألك ولكن التي تموج كموج البحر قال ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين إن بينك وبينها بابا مغلقا قال ‏‏عمر ‏أيكسر الباب أم يفتح قال بل يكسر قال ‏عمر ‏‏إذا لا يغلق أبدا قلت أجل قلنا ‏ ‏لحذيفة ‏ ‏أكان ‏عمر ‏يعلم الباب قال نعم كما يعلم أن دون غد ليلة وذلك أني حدثته حديثا ليس بالأغاليط ‏ ‏فهبنا ‏أن نسأله من الباب فأمرنا ‏‏مسروقا ‏ ‏فسأله فقال من الباب قال ‏‏عمر [1].

ولهذا اشتُهر عمر رضي الله تعالى عنه عند بعض الصحابة رض