صناديق الاستثمار ومشتركوها.. الخروج من الأزمة!!
--------------------------------------------------------------------------------
صحيفة الاقتصادية الالكترونية - الخدمات المالية
كشفت الأزمة التي لا تزال سوق الأسهم المحلية تعيش وعثاءها حتى الساعة، عن الكثير والكثير جداً من الخفايا المستترة، لم تكن لتعرف للملأ أبدا لولا تلك "المطبّات" المروعة التي خلطت الحابل بالنابل! وما شهدناه في شأن الصناديق الاستثمارية في السوق المحلية من خسائر فادحة تجاوزت 70 في المائة، وخروج أكثر من ربع مليون مشترك فيها خالي الوفاض؛ بل إن بعضهم خرج مدينا للصندوق، وهنا بيت القصيد! كيف أصبح المشترك مدينا للصندوق وهو الذي ضخ مالا لا يُشاركه فيه أحد؟! إجابة هذا السؤال الذي يعاني تحت مقصلته الكثير من الضحايا يسكن فيه "السر" أو قل "المطب" الكبير. جميعنا شهد الزحف الكبير من قبل ملايين المستثمرين المباشرين في السوق، يردف زحفهم الهائل مئات الآلاف من المشتركين في الصناديق الاستثمارية، استعرت ضجة هذا الزحف العظيم بصورة لم يسبق لها مثيل خلال عام 2005 ومطلع عام 2006، حملت تلك الملايين من المستثمرين في جعبتها مليارات الريالات، وكأن تلك المليارات من الريالات لم تكن كافية في عيون البنوك المحلية؛ لتفتح فوق رؤوس أولئك القادمين الجدد إلى بحر السوق المحلية، وهي المبتلة أصلا بالسيولة الهائلة، أؤكد لتفتح بمثلها أو تزيد قليلا سيولة إضافية على هيئة تسهيلات بنكية!! تدفقت كالسيل العظيم إلى محافظ المستثمرين المباشرين وحسابات المشتركين في الصناديق الاستثمارية. فلا عجب بعد ذلك أن ترى أصول الصناديق الاستثمارية قد قفزت من 14.5 مليار ريال في مطلع 2005، إلى أن تجاوزت 120.7 مليار ريال قبيل سويعات من الانهيار العظيم للسوق في 26 شباط (فبراير) 2006، أي بمعدل نمو فاق 732.4 في المائة، وزيادة رقمية فاقت 106.2 مليار ريال، جاءت تلك المليارات وما لحقها من تسهيلات خلال الفترة ذاتها على كاهل نصف مليون مشترك بالتمام والكمال!!
ما حقيقة هذه الـ 106.2 مليار ريال المضافة إلى صافي قيمة أصول الصناديق الاستثمارية؟! إنه الرقم المركب من ثلاثة مكونات لا رابع لها؛ المكون الأول: قيمة اشتراكات نصف مليون من المشتركين الجدد. المكون الثاني: النمو في إجمالي قيمة الأصول المملوكة للصناديق القديم منها والجديد بعد دخول مشتركي 2005 ومطلع 2006. المكون الثالث: وهذا هو المكون الأخطر؛ التسهيلات البنكية التي منحتها للمشتركين بضمان اشتراكاتهم في تلك الصناديق الاستثمارية حسب قيمتها السوقية المتزامنة مع تاريخ المنح. اليوم تستقر أصول الصناديق الاستثمارية التي عاصرت تلك الأزمة عند 24.1 مليار ريال فقط، فاقدة ما يقارب 100 مليار ريال؛ سُجّلت كخسائر رأسمالية فادحة على المكونين الأول والثاني فقط، أي مبالغ اشتراكات المشتركين وما تحقق لهم من أرباح تقديرية! أمّا المكون الثالث "التسهيلات البنكية الممنوحة" فلم يمسسها ضر ولا خسارة، بل إنها عادت محملة بأرباح العمولات المركبة إلى خزائن البنوك، ترفل تحت حماية النظام وتختال لا ينازعها فيما اكتسبته أو انتزعته أو ما شئت من عبارات كائن من كان. وأطرح هنا السؤال الأهم؛ من لأولئك الخاسرين من المشتركين في الصناديق الاستثمارية، وأخص بالذكر هنا فئتين، الأولى من خرج "صفر" اليدين، والثانية من خرج من المشتركين مدينا بعد أن كان دائنا؟!
أطرح هنا جزءا من الحل، أعتقد أنه سيحل جزءا كبيرا من الأزمة الراهنة ليس بالنسبة للصناديق الاستثمارية ومشتركيها فحسب، بل ستنعكس إيجابياته على السوق المالية برمتها أيضاً، فما ذاك الحل؟! أرى بعد تراجع معدلات المخاطرة في السوق، وتراجع أسعار الأصول بالصورة الراهنة إلى مستويات تاريخية، أن تتحرك البنوك المحلية نحو منح تسهيلاتها البنكية للمشتركين الحاليين في الصناديق الاستثمارية بنسب تبدأ من 100 في المائة إلى 200 في المائة بحد أقصى، شريطة أن تعفي تلك التسهيلات البنكية بعد إضافتها إلى اشتراكات المشتركين في الصناديق من رسوم الاشتراك، وتكتفي بأرباحها من العمولات. سيتحقق لنا بهذا الإجراء النتائج التالية: (1) انخفاض تكلفة شراء وحدة الصندوق على المشتركين بعد عملية الضخ، وبالتالي تقريب موعد تعويض خسائره الفادحة. (2) زيادة قوة الصناديق الاستثمارية في السوق، فعلى سبيل المثال لو ضخت البنوك تسهيلاتها بنسبة 200 في المائة، فهذا يعني زيادة أصول الصناديق إلى نحو 73 مليار ريال، وارتفاع قوتها النسبية من 2.1 في المائة إلى 6.5 في المائة، (3) هذا سيساعد كثيرا على استقرار السوق وتعزيز الاستثمار المؤسساتي فيه. (4) كما أنه سيوقف الهروب الكبير من قبل مشتركي الصناديق الاستثمارية، (5) أخيرا سيخلق قنوات جديدة للتمويل بالنسبة للبنوك التي نراها اليوم تبحث عن "خرم إبرة" لتموّل من خلاله. إنه مجرد اقتراح لفك بعض خناق الأزمة الراهنة بين الصناديق الاستثمارية ومشتركيها المغلوبين على أمرهم.
منقول/للكاتب عبدالحميدالعمري في جريدة الأقتصادية