عندما تنتصف ليلة 31 كانون الأول (ديسمبر) الحالي يودع العالم العربي عاما ساخنا جدا على الصعيد الاقتصادي. ويمكن القول إن عام 2005 إجمالا من الأعوام الجيدة بالنسبة للاقتصادات العربية، حيث شهد مجموعة من الظواهر والأحداث التي تركت بصماتها الإيجابية على هذه الاقتصادات. وأبرز الظواهر الاقتصادية تمثلت في الطفرة الهائلة في أسعار النفط العالمية التي جنت من ورائها الدول النفطية العربية أرباحا طائلة، في الوقت الذي دفعت فيه الدول غير النفطية مثل لبنان والأردن واليمن ثمنا باهظا نتيجة ارتفاع قيمة فاتورة الطاقة. وارتفع سعر البرميل من 25 دولارا خلال الفترة من 2000 إلى 2002 ثم إلى 28 دولارا عام 2003 ثم قفز إلى 36 دولارا عام
2004 وفي العام الحالي استقر فوق مستوى 50 دولارا.
وبالطبع جاءت السعودية على رأس الرابحين من طفرة أسعار النفط باعتبارها أكبر منتج ومصدر له في العالم، حيث راوحت إيرادات المملكة ما بين 155 و165 مليار دولار الأمر الذي أتاح لها تقديم أضخم ميزانية في تاريخها للعام المالي الجديد.
ولم يختلف الأمر كثيرا بالنسبة للكويت حيث تشير التوقعات إلى وجود فائض كبير في ميزانية العام المالي الحالي الذي ينتهي في آذار (مارس) المقبل. وقال بنك الكويت الوطني إنه يتوقع أن تسجل الكويت فائض ميزانية يصل إلى 7.6 مليار دينار كويتي (26.02 مليار دولار) في السنة المالية حتى آذار (مارس) 2006. ويقارن هذا مع توقعات بعجز قدره 3.08 مليار دينار في ميزانية السنة المالية نفسها عند وضع الميزانية التي وضعت على افتراض سعر قدره 21 دولارا للبرميل ارتفاعا من 15 دولارا في ميزانية العام الماضي.
وإذا كان عام 2005 قد شهد تحقيق العديد من الأرقام القياسية الاقتصادية بالنسبة للدول العربية المنتجة والمصدرة للنفط فإن الخبراء يتوقعون استمرار هذا الاتجاه خلال العام الجديد الأمر الذي قد يدفع دولة مثل السعودية إلى التفكير في المشاريع والبرامج العملاقة الكبيرة مثل إنشاء "'مدينة الملك عبد الله الاقتصادية" في رابغ بتكلفة قدرها 26 مليار دولار.
وإذا كانت أسعار النفط قد فرضت نفسها باعتبارها أبرز الظواهر والأحداث الاقتصادية على الصعيد العربي خلال العام الحالي فإن اتفاق تصدير الغاز المصري إلى إسرائيل الذي جرى توقيعه منتصف العام الحالي جاء ليثير جدلا واسعا أغلبه سياسيا وأقله اقتصاديا، فالاتفاق الذي وقعته مصر وإسرائيل في 30 حزيران (يونيو) الماضي يقضي بتصدير الغاز الطبيعي المصري لإسرائيل بقيمة 2.5 مليار دولار لمدة 15 عاما وهو مبلغ يقل عن إيرادات قناة السويس في عام واحد. ولكن هذه القضية أحيطت بجدل واسع على امتداد الوطن العربي باعتبارها جاءت بعد ستة أشهر فقط من توقيع مصر اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة "الكويز" مع إسرائيل والولايات المتحدة في كانون الأول (ديسمبر) 2004 لتثير الكثير من الجدل بشأن التطبيع الاقتصادي بين مصر وإسرائيل.
وإذا كان اتفاق تصدير الغاز المصري لإسرائيل قد فجر جدلا مصريا وعربيا فإن اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والبحرين أثارت أزمة خليجية أمكن احتواؤها في حينه، فقد تسببت اتفاقية التجارة الحرة بين البحرين والولايات المتحدة في إحداث خلاف كبير بين السعودية والبحرين.
وقبل أن يطوي العام الحالي آخر أيامه صدق الرئيس الأمريكي جورج بوش على قرار تنفيذ اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والمغرب لتصبح المغرب مرتبطة بمثل هذه الاتفاقية مع الولايات المتحدة إلى جانب الأردن والبحرين.
ورغم أن ارتفاع أسعار النفط العالمية كان أبرز الظواهر الاقتصادية بالنسبة للسعودية فإن العام الحالي شهد تطورا مهما آخر بالنسبة للمملكة وهو انضمامها رسميا إلى منظمة التجارة العالمية بعد مفاوضات استمرت 12 عاما. وقال باسكال لامي مدير المنظمة العالمية إن دخول السعودية يسجّل مشاركة مارد اقتصادي كبير في أعمال المنظمة التي تقرر قواعد التجارة العالمية.
وبعيدا عن الأحداث الكبيرة التي فرضت نفسها على الحساب الختامي للاقتصاد العربي خلال العام الحالي، شهد العام مجموعة من الأحداث الأقل أهمية مثل إعلان دبي تأسيس أول منطقة حرة في العالم لصناعات التقنية الحيوية في شباط (فبراير) الماضي على أن تنتهي من مرحلتها الأولى مطلع 2006. وفي الشهر نفسه بدأت موريتانيا مسيرة الانضمام لنادي الدول العربية المنتجة للنفط قبل نهاية العام الحالي بعد توقيع عقود تطوير مجموعة من حقول التنقيب عن النفط في مياهها الإقليمية وداخل أراضيها.
وفي آذار (مارس) الماضي استضافت أبو ظبي المؤتمر العربي الأول للتجارة الذي اختتم أعماله بمطالبة القمة العربية التي استضافتها الجزائر في الشهر نفسه بإزالة جميع القيود على التجارة البينية العربية. وشهد العام الحالي عدة خطوات واسعة على طريق تخصيص الأصول العامة في مصر حيث طرحت في آذار (مارس) الماضي لأول مرة حصصا في شركات نفط للاكتتاب في البورصة، وكان أبرزها أسهم شركة الإسكندرية للزيوت المعدنية "أموك"، التي حققت أسهمها طفرة هائلة.
وفي نيسان (أبريل) الماضي اتفق مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي على توقيع اتفاقية التجارة الحرة نهاية العام وهو ما لم يتحقق بالفعل في ضوء المشكلات التي اعترضت طريق المفاوضات بين الجانبين.
وفي أيار (مايو) الماضي استضاف منتجع البحر الميت الأردني المنتدى الاقتصادي العالمي الذي ركز مناقشاته على سبل دفع التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في المنطقة العربية والشرق الأوسط. ورغم مشاركة المئات من كبار المسؤولين ورجال الأعمال من مختلف أنحاء العالم فإن النتائج الحقيقية لم تكن على مستوى التطلعات.
ورغم العثرات التي واجهها اقتصاد بعض الدول العربية خلال العام الحالي فإن الموقف بشكل عام كان جيدا ويحمل الكثير من دواعي التفاؤل بالعام الجديد.