|
ثقافة غذائية جديدة
ويبدو أن الأمر لا يقتصر على ضرورة مراجعة قائمة ما يتناوله الناس من أطعمة، بل برزت مسألة التحول إلى ثقافة غذائية جديدة قد تحافظ على تقليد الوجبات السريعة، ولكن تطرح نمطًا جديدًا في طريقة تقديم هذه
لوجبات ومراعاة نظافتها وفائدتها.. فقد أوردت مجلة «فاست كومباني»أن مطعم بريه مونجيه (Pret A Manger) وهي كلمات فرنسية تعني (جاهز للأكل) وله من الفروع (118) فرعًا في بريطانيا وحدها و(5) فروع في أمريكا بدأ في تقديم خدمة جديدة للوجبات السريعة تعتمد على الأطعمة الطازجة، ويراعي متطلبات الأكل الصحي ورغبات الزبائن المتغيرة. وقد أدى إعلان المطعم عن اعتزامه نقل تجربته الجديدة للولايات المتحدة إلى إثارة حفيظة المطاعم الأمريكية التي تقدم الوجبات السريعة..
وقد ازداد قلق ماكدونالدز وبيرغركينغ من هذا التطور في الوقت الذي تشهد فيه هذه الشركات تراجعًا في مبيعاتها وأرباحها. وتعاني ماكدونالدز ركودًا انعكس على أسهمها التي فقدت (42%) من قيمتها عما كانت عليه عام 1999. وبسبب مرض جنون البقر والجمرة الخبيثة وارتفاع الأسعار فمن المتوقع أن تزداد الأمور سوءًا، خصوصًا بعد أن أعلن الاتحاد الأوروبي حظرًا على اللحوم الأمريكية في الفترة الأخيرة نتيجة تأثير اللحوم الأمريكية المعالجة بالهرمونات على صحة الإنسان. والمختلف عليه يتعلق بستة هرمونات تستخدم في خلائط مختلفة في إطعام (90%) تقريبًا من المواشي في الولايات المتحدة لكي تجعلها «لاحمة» بشكل سريع.. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار طريقة إعداد الهامبورغر وما يطرأ عليه من مواد دخيلة لا تشكل اللحوم سوى (40%) من نسبته، والباقي «فضلات» من أطعمة أخرى (Junk Food) فإننا سنصل في النهاية إلى ما يمكن اعتباره ثقافة الفضلات (Junk Culture).
ميكروبات في اللحوم
وفي أحدث التقارير التي وضعت حول سلامة اللحوم في أمريكا صدر عن وزارة الزراعة الأمريكية جاء فيه أن قرابة (80%) من اللحم البقري المفروم يحوي ميكروبات تنشرها في الأساس بقايا روث الحيوانات التي تختلط باللحوم عند ذبحها ملوثة إياها ببكتيريا السلمونيلا وإي كولي (E-Coli) وهما من النوع الخطير المسبب للتسمم الغذائي.. والمعروف أنه يستعمل لتحضير «الهامبورغر» لحوم من مئات الماشية، وهو ما يضاعف من أخطار الإصابة بالتسمم الذي يصعب علاجه حتى باستعمال المضادات الحيوية. ويموت كل سنة (500) شخص في الولايات المتحدة من جراء الإصابة بتسمم الوجبات السريعة في محلات الهامبورغر، وقد استعادت إحدى الشركات الضخمة للغذاء ما يقرب من (17) مليون رطل من اللحوم مؤخرًا خوفًا من نشر التسمم عن طريق «الليستيريا».
بلاد الوجبات السريعة
وقد فضح صحفي أمريكي إمبراطورية الوجبات السريعة في الولايات المتحدة وعلى رأسها سلسلة مطاعم شهيرة، إذ أورد في كتاب له بعنوان «بلد الوجبات السريعة» تفاصيل زيارة سرية ليلية قام بها لأحد مسالخ اللحوم، وشاهد في أثنائها قذارة وإهمالاً وفوضى ودماء تغمر أحد المسالخ، في حين يقوم العمال بنحر قطعان من الماشية وإفراغ أحشائها وتقطيعها وفرم (300) منها في وقت واحد!
ويرى ـ مؤلف الكتاب ـ أن مئات الملايين من الناس يتناولون الوجبات السريعة كل يوم دون أن يفكروا في المصدر الذي تأتي منه. ولا في الكيفية التي تصنع بها، ولا في النتائج التي تتركها على مجتمعهم. ولك أن تتخيل أثر هذا التوجه الغذائي الأمريكي ومدى انتشاره ومساحة تلويثه للذائقة الغذائية إذا ما علمت أن هناك أكثر من (30) ألف مطعم ماكدونالدز عبر العالم، تجعله أكبر مالك لمبيعات المفرق عالميًا.
وقد تضمن الكتاب استراتيجيات التسويق غير المنضبطة التي تستهدف الأطفال والمدارس، والمغالطات في نظام منح الامتياز الذي تعتمد عليه معظم سلاسل مطاعم الوجبات السريعة. كما يستطلع الكتاب العلاقة المشبوهة بين صناعة الوجبات السريعة وصناعة التسلية، وعلاقات الترويج المتبادلة بين ماكدونالدز وديزني وهوليود على سبيل المثال، إذ يجرى تقديم الطعام نفسه كنوع من التسلية أو الترفيه من أجل كسب ولاء المستهلك وجعله يعتمد على ذلك النوع من الطعام. ومن بين الجوانب الصادمة التي يكشفها الكتاب، استغلال هذه الصناعة للشباب كمستهلكين وكأيد عاملة رخيصة وقابلة للاستبدال.
ويكشف الكتاب عن حقائق مرعبة تتعلق بالممارسات الخطرة والفاسدة في صناعة المجازر والماشية، يبعث بعضها على الغثيان، ويتعلق بحالات الإصابة بجرثومة (E- Coli) التي تنتشر فجأة بسبب المكونات المشبوهة من اللحم الذي يصنع من الهامبورغر. ووفقًا للدراسات والإحصائيات فإن عدد الحالات الناجمة عن التسمم الغذائي بسبب تناول الأطعمة الغربية في مطاعم الوجبات السريعة تفوق (80) ألف حالة مرضية كل عام.
غير أن لوبي الوجبات السريعة وشركات تصنيع الزراعة الكبرى يتمتع بنفوذ هائل غالبًا ما يستخدم في الحيلولة دون إصدار التشريعات وأنظمة الإنتاج المطلوبة، إلا أن ذلك لم يحل دون تسجيل بعض النقاط من قبل هيئات حماية المستهلك على شركات التصنيع الغذائي.
علامات تحذيرية
ففي خطوة هي الأولى من نوعها في الولايات المتحدة
سيتم وضع علامات تحذير صحية، شبيهة بتلك التي توضع على علب السجائر، على بعض المنتجات الغذائية الواسعة الانتشار مثل رقائق البطاطا أو الذرة
المحمصة (المقرمشات) وعلى البسكويت بالشوكولاته.
وتتأهب كبريات الشركات العالمية للمنتجات الغذائية السريعة للقيام بحملة دعائية ضخمة لتوعية المواطنين بمخاطر الإقبال الشديد على المأكولات السريعة خصوصًا من قبل الأطفال بين سن (9 أعوام و12 عامًا).
وتتخوف الشركات من مقاضاتها على غرار ما حدث لشركات التبغ، خصوصًا بعد الازدياد الملحوظ في أعداد الأشخاص المصابين بالبدانة في الولايات المتحدة.
ومن المقرر أن تنطلق الحملة الدعائية بكلفة (2.4) مليون دولار داخل الولايات المتحدة
التي ينفق فيها الأفراد (110) مليارات دولار على المأكولات السريعة..
ولعل الضجة المثارة حول هذه القضية لا تنفي الآثار الأخرى المترتبة عليها..
فإذا كان الجانب الغذائي هو المهم.. فإن هناك بعدًا آخر لا ينبغي إغفاله..
ألا وهو أن هناك ثقافة غذائية جديدة بدأت تفرض نفسها بقوة على كل المجتمعات، وتحدث من التغييرات العميقة في
«الذوق الغذائي» العالمي ما يثير الدهشة إلى حد كبير، وليس غريبًا أن تنطلق العناوين العريضة لاختصار تفاصيل هذه «الموضة الغذائية»
المتمثلة في الوجبات السريعة.. والتي من بينها: هيمنة اقتصادية، عولمة سياسية.. تسميات وتوصيفات ألفت الآذان سماعها..
ولكن ما رأيكم في «التوسع الغذائي».. وهو على ما يبدو الأخطر من نوعه حيث لا يحتاج إلى جيوش وأسلحة..
كل ما عليك إذا أردت أن تسلب إرادة الناس وتشكل أذواقهم وتتدخل في سعراتهم الحرارية أن تبادر فقط إلى صنع توليفة غذائية جديدة (صرعة) وافتتاح أحد المطاعم لترويجها..
على غرار الاختراع الأمريكي الشهير «الهامبورغر» مع مشروب غازي مناسب مثل (الكوكاكولا)
وتصبح السيادة الغذائية حكرًا خالصًا لك.
|