ويتوضح الجواب على هذا السؤال انطلاقاً من آلية التضخم بوصفه تقنية استخدام للقيمة المضافة، وهي تقنية من جملة تقنيات أخرى ولكنها ليست كالتقنيات الأخرى، وتلك هي المشكلة فإذا لاحظنا جيداً ما يجري عندما يعمد مشروع مسيطر ـ1 إلى زيادة أسعاره، فإننا نتبين أن الأمر يدور حول اقتطاع إضافي من مداخيل العملاء الاقتصاديين الآخرين. وذلك هو الادخار الإجباري وعلى العكس من ذلك، فإن مداخيل العملاء الاقتصاديين تخصص بإرادة متعمدة في اقتصاد تحارب فيه السيطرة بواسطة تنافس حقيقي بين المشاريع في إطار التخطيط وبمراقبة المستهلكين للمنتجات، وضمن هذا الإطار فإن قسم التمويل الذاتي للمشاريع التي سوف تبقى سيقابل استخداماً سوياً للقيمة المضافة. أما التمويل الذاتي التضخمي أو بصورة اعم، تزايد القيمة المضافة بفضل ارتفاع الأسعار فهو على العكس من ذلك اقتطاع إجباري من المداخيل الإنتاجية للفعاليات الأخرى.
ومن الواضح في هذه الشروط أن الرابح الأول من التضخم هو استثمار المنشآت المسيطرة وقد رأينا أن لهذه المشاريع، نموذجاً إنتاجياً هو رمز الوجوه السلبية للمجتمع الاستهلاكي، وتشجيع هذا النموذج الإنتاجي هو في رأينا اخطر عيوب التضخم.
إن إحدى نتائج انتصار رأس المال المسيطر على رأس مال المشاريع الصغيرة المبعثرة هو أن المشاريع المسيطرة تستطيع أن تخضع لمطالب العمال المتعلقة بالأجور بأسهل مما تستطيعه المشاريع الأخرى، صحيح أن التضخم السوسيولوجي أي ظواهر الاستدراك قوي اليوم، وانه يشجع تعميم ضروب ارتفاع المداخيل من خلال كل الوحدات الاقتصادية، إلا أن هذا التعميم ليس كلياً ولا محققاً مباشرة ومن اجل ذلك يكون إجراء المشاريع المسيطرة في وضع متميز بالنسبة للاخرين، إن وجود مثل هذا الوضع هو أحد الأسباب الذي يهدد من اجله، (تضخم السيطرة) من انتقال مجتمع إلى الاشتراكية لأنه يمكن أن يغري أُجَراء بفضل التضخم بأن يتملكوا على غير وجه حق قسماً من القيمة المضافة القومية على حساب الاجراء الآخرين والمستهلكين.
ولن نتوقف عند دور التضخم في خفض قيمة المداخيل الثابتة رغم أننا لا نقلل من الضرر الذي ينزله بها،وهذه ظاهرة معروفة جداً يعاني منها بشكل خاص المتقاعدون والمسنون وهو يقوي ظلم التضخم.وكذلك فمن غير المجدي أن نلح على نزع الملكية الحقيقي الذي ينزله التضخم بصغار المدخرين. يستاء الملاكون الواسعو الثراء من عدم تعويض رؤس أموالهم التي تؤمم ولكن ملايين الدنانير التي يدخرها الشعب هي ما ينتزع ملكيتها ببساطة في التضخم.
إن التضخم لا يكتفي بأن يلعب دوراً اقتصادياً مؤذياً باستنزافه موارد الادخار الطويل، فهو يؤثر أيضاً تأثيراً اجتماعياً سلبياً على المجتمع، وعلى العكس من ذلك، فإن الأشخاص الذين يملكون ما يكفي من الثروة لتوظيف رؤوس أموالهم في (قيم موثوقة) كالأراضي والأبنية، قد حققوا، منذ عشرين سنة، ضروباً استثنائية من فضل القيمة يدهشنا أن لا تسترد الضرائب نصيباً منها للصالح العام. هؤلاء هم الأفراد والفئات الاجتماعية الرابحون والخاسرون في لعبة التضخم، إلا أنه يجب أن لا ننسى (وهذا الوجه للأمور على جانب كبير من الأهمية) إن هناك أيضاً رابحين وخاسرين على مستوى الوظائف الاقتصادية الكبرى فلن تكون هناك مبالغة في ترديد القول بأن وظيفة الاستثمار الطويل الأمد تتأذى دائماً من التضخم ـ لقد سنحت لنا الفرصة للإشارة إلى مسؤوليات المنظرين عن هذه النتائج السيئة ولكننا أغضينا، دون شك، اكثر مما ينبغي عن كينز.
إنه من المقبول اليوم أن يهاجم كينز باسم الأولوية التي يعطيها لاعادة إطلاق الاقتصاد بالطلب أو نسهم في هذا النقد بدعوتنا إلى إعادة تقويم مكتسبات النظرية الموضوعية للقيمة التي تركز انتباهنا أولا على كلفة العرض. نعم لقد أسهمنا في هذا النقد إذا كان الأمر يدور حول توجيه الاتهام للتصور المبالغ في قصوره الذي كونه كينز عن الاقتصاد عندما يصرح قائلاً: (على المدى الطويل سنكون كلنا موتى) إن مثل هذا الموقف لم يعد ممكناً، وعلى العكس من ذلك، وذلك هو الانقلاب المطلوب، يجب أن يملأ الاهتمام بالمستقبل كل مواقفنا الاقتصادية. ونحن لم نسهم في هذا النقد إذا كان الأمر يدور حول توجيه الاتهام إلى الطريقة التي نادى بها كينز بإعادة إطلاق اقتصاد من حالة جمود، ذلك أن تحليله لوسائل العمل الظرفية في النظام الرأسمالي يبقى بصورة عامة، صحيحاً.
وإذا كان ينبغي على قائمة الرابحين الكبيرين في المعركة التضخمية هما نمطية الحياة وتركز السلطة وهذه الملاحظة تنجم بالتأكيد، عن التحليلات السابقة، ولكنها تستحق أن تعالج على حدة نظراً لأهميتها الكبيرة لقد ناقش طلاب الاقتصاد، خلال سنوات عديدة، السؤال التالي: ألا يشجع النمو معدلاً معيناً للتضخم والجواب واضح اليوم. فالتضخم يشجع المشاريع ذات الربحية المجزية على المدى القصير ويثبط مشاريع التنمية ذات النضج الطويل الأجل.
فيمكن، إذن، أن نؤكد أن التضخم والنمو يسيران جنباً إلى جنب بشرط فوري هو أن نحدد النمو الذي نتحدث عنه ويدور الأمر بالنسبة لمحتواه، حول نمو يعطي الامتياز لسلع الاستهلاك الفردية أما من حيث الشكل، فالأمر يدور حول نمو توجهه المشاريع المسيطرة.
إن النقد المتأثر بعقلية القرون الوسطى الموجه للمجتمع الحالي ليس جزءاً من تحليلنا، حتى ولو كانت حركات العودة إلى حياة زراعية وحرفية وعلامات على قطيعة يجب أن تلفت الانتباه ومن اجل ذلك فإن التنديد بالنمو بواسطة الاستهلاك الفردي لا يستهدف، العودة إلى حالة سابقة لمستوى الحياة الاقتصادية، وهو يجد أسسه في ثلاثة ثوابت: أولا أن هذا النمو ليس إيجابيا جداً إلا على أساس حساب الريعية المالية بالنسبة للمجتمع، فأنه سيتبين أن كلفة هذا النمو أثقل بالتأكيد من ذلك وسيبدو، لبعض ضروب الإنتاج، اثر هدام أقوى من آثارها من حيث تلبية الحاجات، ثانياً أن هذا النمو يفرز نمطية مخيفة رغم تنوع كبير في المنتجات المطروحة للبيع، فلقد بلغت هيمنة القيمة السلعية حدا أصبحت، معه اكثر تأثيراً من محتوى السلعة. وبعبارة أخرى، فإن هذا النمو قد حمل أيدلوجية السبيل الوحيد لزيادة السعادة الفردية، هو شراء سلع تجارية، وبذلك يكون قد أجرى تراجعاً قاسياً للعلاقات بين الناس والأشياء مهما يكن التنوع الظاهر لهذه الأشياء (راجع رأس المال/ الخبر الأول/ كارل ماركس) وإن نتائج هذه السيطرة للنمطية السلعية هي بلبلة معينة بين الشباب الذين يدركون بقوة خاصة إلى أي حد لا تستطيع هذه الصورة السلعية أن تكون فرحة الحياة اليومية الوحيدة ولا أن تعطي معنى للعمل ومن السهل أن يقال أن الشباب يفيدون من هذه الوفرة في السلع الاستهلاكية ومن الصعب توفيق هذه البديهية مع أزمة الأمل العميقة التي هي أيضاً طابع هذا المجتمع. ومن تمام الخطأ والادعاء إرجاع هذه الأزمة إلى واحد من أسبابها، إلا أنه يمكن التأكيد بأن هذه النمطية سبب رئيسي. ونصل هنا إلى ملاحظتنا النقدية الثالثة للنمو التضخمي. وبالفعل فإذا لم تتوقف السلطة الاقتصادية التي تفرز هذا الاتجاه للنمو عن التراكز فإنها لا تتوقف، كذلك عن أن تغدو اقل قابلية للإدراك والتعين. فالسلطة المتزايدة للشركات المتعددة القوميات غير الملحوظة وللنظام المصرفي ـ والابتعاد المستمر لمراكز القرار يؤديان إلى أن فرد القاعدة لم يعد يعرف من يقرر وماذا يقرر ولا ما هي وسائل تغير الوضع، وفي الوقت نفسه، فإن المؤسسات التي كانت في السابق جيدة التحديد، كالأسرة، بل والتسلل الرتبوي للمشروع الصغير، تنزع إلى فقدان سلطتهما أو إلى الظهور، عندما تحافظ على هذه السلطة، متقادمة وبالمقابل فإن سلطة النظام الاقتصادي وأيديولوجيته تكتسبان قوة متزايدة لا سيما وإنه لا يمكن تعيين هويتها. إن تراكز السلطة الاقتصادية الرأسمالية والذوبان الظاهر لمكان ممارستها وانتشار أيديولوجيتها هي الوجوه الرئيسية الثلاثة لهذا الواقع الاجتماعي التي تجعله يدرك كمعطى نهائي لأنه لا يدرك.وفي حين يسمح وضع التقنيات والمستوى الثقافي المتوسط للناس في البلدان المتقدمة. بإسهام أكثف لكل منهم في القدرات التي تتصل به وفي حين يمكن تحرير القدرة الإبداعية الفردية والجماعية فإن هذا التركيز للسلطة وهذه النمطية في العلاقات الاجتماعية التجارية يخنقان كل مبادرة.
إن الثمار الطبيعية لمجتمع النمو التضخمي هذا هي في الوقت الحاضر، التسليم والثورات التي لا عز لها على اعتبار انه نجح في فرض ديكتاتورية المدى القصير. إن النمو التضخمي ينسف أسس نمو واع ومنظم بالأشكال العابرة للسلع التي ينتجها وبالخفض المتسارع للقيم المادية والإيديولوجية الذي يفرضه. ويصبغ العلاقات الاجتماعية. بالطابع النقدي الذي ينشره. إلا أن هذا النمو وهذه التنمية العميقة هما أملنا اليوم لأنهما ما سيصنع غدا أفضل فيجب تهيئة الدرب الذي يمكن أن يقود إلى تشييده ألا وهو الإسلام.
التدابير ضد التضخم
* الإبطاء المحسوس لزيادة الأجور والمداخيل لا اكثر من 3% مثلاً عندما تزيد الأسعار بمقدار 1%.
* ربط الادخار بتغير الأسعار.
* إقامة تخطيط اكثر دقة للاتجاهات الاقتصادية الكبرى.
* ترك المزيد من الحرية الاقتصادية للمشاريع ضمن تخطيط مركزي عام.
* إيجاد حلول جديدة لا توجد في أي مكان آخر.
العدالة، الإبداع، الموضوعية الاقتصادية تلك هي الوجوه الثلاثة للتنمية ومحاورها العامة ويكون الإسهام في النضال ضد التضخم بتخطيط سريع لمجتمع متحول وذلك هو طموحنا وللعوامل أعلاه نرى أن الاقتصاد الإسلامي باستناده على الشريعة السمحاء كأساس عملي هو الدواء لمعالجة التضخم الذي يفتك بالمجتمع نتيجة لعدم التحليل الصحيح للوضع من وجوهه النظرية والمشخصة للإنسان والحياة الاقتصادية بما يجعل الموازنة متعادلة وبما يحقق تنمية أفضل بدون شبح التضخم.
الحمل الثقيل
سئل عن الحمل الثقيل يحمله الرجل على رأسه فلا يثقل عليه كثيراً، وترى الرجل المكروه يجلس على بعد من الانسان، ويكون ثقله ومشقته عليه أعظم من ذلك الحمل الثقيل.
فقال: إن الحمل الثقيل يحمله البدن، والرجل المكروه تحمله الروح وهي ألطف من البدن وأرق، فما تحمله الرّوح أشق عليها مما يحمله البدن.
ما هو التضخم
من منا لم يسمع عن التضخم . حيث انه يعتبره ظاهرة اقتصادية مألوفة, فالاحصائيات بهذا الشأن تصدرعلى الأقل مرة كل ربع سنة كما أننا نواجه هذه الظاهرة في حياتنا اليومية, وذلك من خلال ارتفاع الأسعار, فالبعض ينظر الى التضخم على أنه فقط عبارة عن فقدان العملة من قوتها الشرائية دون أن يتعمق في الموضوع وما ورائه, و السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو ما الذي ينجم عنه التضخم؟
تعريف التضخم
التضخم يمكن تعريفه على أنه عبارة عن نسبة التغير في أسعار المستهلكين, و بالتالي فان هذا التعريف لا يأخذ بعين الاعتبار نمو أسعار العقارات و الأسهم مثلا, و يرجع السبب في ذلك بالدرجة الأولى الى تذبذب أسعار هذه الأخيرة نتيجة للتغير المفاجىء في الطلب من جهة و العرض من جهة أخرى. و يعتبرأثرالتذبذب في الطلب أساسيا و ذلك لأنه في حالة الرخاء, فان الأجور تنمو بنسبة غير متساوية, بحيث تنمو الأجور العالية أسرع منالأجور المنخفضة. للتوضيح فان الطلب للعقارات و الأسهم يكون كبيرا عندما يتوقع المشترون في هذه الأسواق ارتفاعا للأسعار في المستقبل, و هذه التوقعات موجودة أيضا في فترة استقرار الأسعار. اذا أخذنا على سبيل المثال الأسهم, فان التوقعات في المدى الطويل اما أن تفترض ارتفاعا للأسعار أو ارتفاعا في المردود لدى المنتجين, و هذا الأخيرلا يتحقق الا اذا كان ارتفاع انتاجية المنتجين أعلى من ارتفاع الأجور.
التضخم أيضا هو انخفاض في قيمة النقد, فعندما تزداد كمية النقد التي يتداولها الناس بسرعة أكبر من تزايد المنتوجات التي يستطيعون اقتناءها فان العملة تفقد من قيمتها. ان العلاقة بين حجم الكتلة النقدية و التضخم علاقة ايجابية قوية.
ان مصدر التضخم يكمن في ارتفاع الطلب بسرعة أو انخفاض العرض بنفس الدرجة أو في كلاهما, فعندما يتجاوز نمو الأجور نسبة زيادة الإنتاجية أو عندما ترتفع تكلفة استيراد المواد الأولية كالنفط أو عوامل الإنتاج كرأس المال فان مؤشر التضخم يرتفع بسرعة.
فهذه الظاهرة لها اذا صلة كبيرة بالاستهلاك و الانتاج من جهة و بالسياسة النقدية من جهة أخرى. فالتضخم كما رأينا يؤدي الى ارتفاع الأسعارولكن هل كل ارتفاع في الأسعار يشكل تضخما؟.الجواب بالنفي, وذلك لأن مفهوم ارتفاع الأسعار بحيث تصبح تشكل تضخما هو مفهوم نسبي, فالأسعار إذا بلغ ارتفاعها مستوى معين فانه يصبح تضخميا, بأن يكون مثلا ارتفاع الاسعار على المستوى المحلي أسرع ممّا هو على المستوى العالمي, أو عندما يستمر الارتفاع بصورة دائمة, أو عندما لايوازي نمو الأجور و الرواتب ارتفاع الأسعار فتضعف بالتالي قدرة الشراء.
التضخم يأتي على ثلاثة أشكال:
تضخم الطلب بحيث أن ارتفاع الأسعاريحدث نتيجة لزيادة الطلب عن الطاقة الإنتاجية للاقتصاد, فزيادة الإنفاق في الاقتصاد هنا ليست زيادة في الإنتاج الحقيقي بقدر ما هي نتيجة لارتفاع الأسعار.
التضخم الزاحف و هو عبارة عن ارتفاع سنوي في مستوى الأسعار بنسبة تتجاوز بين ال-1% و 3%, و هنا تجدر الاشارة الى أن نسبة الارتفاع البسيطة في الأسعار تعتبر نموا للاقتصاد, و يرجع ذلك بالدرجة الأولى الى ارتفاع أسعار السلع قبل ارتفاع أسعار الموارد, الشيء الذي يؤدي ذلك إلى زيادة الأرباح مما يحفز المنتجين على رفع مستوى استثماراتهم.
والتضخم التصاعدي في الأسعار والأجوربحيث تؤدي زيادة الضغوط على الأسعار إلى ردود أفعال تزيد من حدة التضخم, وبالتالي يصبح يغذي نفسه بنفسه. فما شهدته ألمانيا في أوائل العشرينات من هذا القرن لما أرادت الحكومة أن تغطي نفقاتها عن طريق رفع السيولة النقدية حيث طبعت النقود بمعدلات مرتفعة جدا حتى بلغ معدل
التضخم نسبة خيالية أدت بالألمان الى اللجوء الى المقايضة واستخدام السلع بدلا عن النقود.
يتبع