الرئيسية / الاقتصاد / لماذا تواصل الشركات العقارية إنشاء ناطحات السحاب؟

لماذا تواصل الشركات العقارية إنشاء ناطحات السحاب؟

“آلات لجعل الأرض تدفع الثمن” .. هكذا وصف جاس جيلبرت، المهندس المعماري الذي صمم مبنى شركة وولوويرث في نيويورك، ناطحات السحاب، مضيفاً أنها تتعلق بالغرور أكثر مما تتعلق بالربح. 

فمن المتوقع أن يشهد العام 2012 إنشاء ناطحتي سحاب سيكونا الأعلى على مستوى العالم، الأولى في جدة بطول يربو على 1 كم وستكون أعلى من برج خليفة في دبي، والثانية في الطرف الجنوبي لجسر لندن، بتكلفة 1.1 مليار دولار، وستكون أعلى بناية في الإتحاد الاوروبي.

 

وحيث إن بناء هذه الأبراج مكلف والتفاوض عليها صعب: فلماذا تواصل شركات التطوير العقاري مساعيها لإنشاء بنايات عالية إلى هذا الحد؟ يقول خالد عفارة، مدير الشركة العربية للاستثمار، وهي المجموعة وراء برج بيناكل البالغ ارتفاعه 288 مترا: “عليك أن تدفع مقدما مبالغ أكثر بكثير، ولكنك تريد أن تكون البناية ذات تصميم مميز، تصميم يريد الناس المشاركة به والمحافظة عليه. وهذا يعني أنك تضمن طول عمره”.

 

بعد أن اصطدمت الطائرات بالبرجين التوأم في نيويورك قبل عقد من الزمن، كان هناك فترة بدا فيها أن ناطحة السحاب ستجسد للأبد الخوف من الكارثة. إلا أن برج الحرية الذي يتم بناؤه بجانب موقع برج التجارة يظهر المرونة المذهلة لناطحة السحاب. والخطر بالنسبة لشركات التطوير هو أنه بما أنها تضع الكثير من غرورها في المشروع، فإنها تنسى الاهتمام بالواقع الاقتصادي.

 

ومن حيث تكلفة البناء الصرفة، فإن الارتفاع في البناء يعتبر أكثر تكلفة بكثير من البناء المنخفض الواسع. والمدن مليئة بأمثلة لما يحدث حين تصطدم أحلام بناء أطول برج أو أكثر البنايات ذات القمة المدببة أو أكثرها غرابة مع الواقع الاقتصادي الصعب. وحتى في المدن الكبيرة المكتظة، مثل لندن، حيث يكون الحصول على ترخيص البناء صعبا ومكلفا، تتخلل الشوارع خطط طموحة، التي تعطل العديد منها منذ البداية وتم تأجيلها وحفظها خلال الأزمة المالية. وحتى برج شارد- الذي صممه رينزو بيانو، المهندس المعماري الذي شارك في تصميم مركز بومبيدو في باريس- كاد أن يفشل. ولولا مجموعة الشركات القطرية التي كانت ترغب بامتلاك حصة في سماء لندن، لكان تم التخلي عن المشروع بالتأكيد.

 

ويقول عفارة: “أكبر خطر لبناء ناطحة سحاب ليس المال، بل الوقت. فأنت تبدأ بالبناء وربما يمكنك رؤية السوق أربع أو خمس سنوات قبل ذلك، ولكن ليس هناك فرصة على الإطلاق لأن تتمكن من معرفة ماذا سيحدث بعد سبع أو ثماني سنوات. ولكن إذا أنجزت العمل واستطعت تأجير البناية ستكون قد شيدت بناية وتكون جالسا على قدم مربع واحد لن يصار إلى هدمه على الأرجح خلال 20 سنة من أجل إفساح المجال لبناء شيء جديد… على خلاف ما يحدث بالنسبة للكثير من البنايات الأصغر حجما”.

 

لقد أدت الحالة غير المستقرة لتمويل هذه المشاريع إلى أحد التحولات الأكثر جذرية في ناطحات السحاب في السنوات الأخيرة- وصول المساحات السكنية إلى الطوابق العليا. ومنذ ظهور الأبراج الأولى مثل مبنى وولوويرث للمهندس جيلبرت- الذي كان في ذلك الوقت أطول مبنى في العالم- كانت ناطحة السحاب بناية مكاتب في المناطق التجارية في وسط المدينة، حيث تكون الأرض نادرة والأسعار عالية. إلا أن شركات التطوير اكتشفت الطلب على غرف تطل على مشهد عال فوق المدينة.

 

معظم ناطحات السحاب الحديثة، من برج شارد إلى برج خليفة، يوجد فيها الآن شقق سكنية. والبرج المبني على 8 سبروس ستريت في نيويورك، الذي صممه فرانك جيري، مصمم متحف جوجنهايم بلباو الشهير، سكني بالكامل تقريبا. ويسمح هذا لشركات التطوير ببيع الشقق قبل استكمال البناء، وبالتالي تمويل عملية البناء جزئيا.

 

وإحدى العيوب بالنسبة للساكنين المحتملين هي حين يتم تصميم بناء ما من قبل “مهندس معماري شهير بتصاميمه الرائعة” على غرار جيري/ بيانو. فهذه البنايات تتعلق بالدعاية الإعلامية بقدر ما تتعلق بالارتفاع ولا تساعد الأسماء المشهورة فقط على تسويقها، بل أيضا على الحصول على تراخيص البناء – لأن المدن تتباهى بوجود مبنى فيها من تصميم شخص معروف.

 

والميزة هي أن المهندسين المعماريين الجيدين يحاولون جلب فائدة وجودة حقيقيتين؛ والجانب السلبي هو أن كلاً منهم يتنافس مع الآخر في مجال تصميم بناية أكثر غرابة. وبالنسبة لمدينة معقدة وذات طبقات متعددة مثل لندن قد تكون النتيجة فوضى غير متناسقة من البادرات النحتية الفردية.

 

أولي شيرين، المهندس المعماري المولود في ألمانيا ولكن الذي يقيم في بكين، هو وراء برج ماهاناكون في بانكوك، الذي يبدو كأنه ينقسم إلى أقسام في الشارع الفوضوي تحته. وهو يقول: “في الوقت الذي تبرهن فيه المدن المكتظة في آسيا على أنها الطرق الأكثر استدامة للعيش، أصبحت ناطحات السحاب أمرا حتميا. التحدي هو أن نسأل كيف يمكننا ربط ناطحة السحاب بالمدينة من موقع ارتفاعها عن الأرض وفي عموديتها… كيف يمكن أن يعكس البرج الحياة داخله إلى المجال الحضري؟”.

 

ترسم ناطحة السحاب الحديثة خطا رفيعا بين الطموح المعماري والتسويق الفائق وغرور المدن الكبرى. ونادرا ما تكون مربحة كثيرا، ونادرا ما تكون مبتكرة حقا ولا تحسن في أغلب الأحيان المدينة. ولكنها تمثل حلما غير قابل للتدمير كما يبدو، طريقة لطبع فكرة ما ليس فقط على الموقع، بل أيضا على المنطقة الحضرية بأكملها. وقد أصبحت كل هذه الآفاق العالية المدببة أشبه بالمخطط الكهربائي للحيوية والحركة. وبالتالي فلا تريد أي مدينة أن يكون أفقها مسطحا.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

X